فخر الدين الرازي
228
تفسير الرازي
وتحقيق الكلام فيه أن قولهم في الانتظار نظرت بغير صلة ، فإنما ذلك في الانتظار لمجيء الإنسان بنفسه ، فأما إذا كان منتظراً لرفده ومعونته ، فقد يقال فيه : نظرت إليه كقول الرجل ، وإنما نظري إلى الله ثم إليك ، وقد يقول ذلك من لا يبصر ، ويقول الأعمى في مثل هذا المعنى : عيني شاخصة إليك ، ثم إن سلمنا ذلك لكن لا نسلم إن المراد من إلى ههنا حرف التعدي . بل هو واحد الآلاء ، والمعنى : وجوه يومئذ ناضرة نعمة ربها منتظرة . وأما السؤال الثاني : وهو أن الانتظار غم وألم ، فجوابه أن المنتظر . إذا كان فيما ينتظره على يقين من الوصول إليه ، فإنه يكون في أعظم اللذات . التأويل الثاني : أن يضمر المضاف ، والمعنى إلى ثواب ربها ناظرة ، قالوا : وإنما صرنا إلى هذا التأويل ، لأنه لما دلت الدلائل السمعية والعقلية على أنه تعالى تمتنع رؤيته وجب المصير إلى التأويل ، ولقائل أن يقول : فهذه الآية تدل أيضاً على أن النظر ليس عبارة عن تقليب الحدقة ، لأنه تعالى قال : لا ينظر إليهم وليس المراد أنه تعالى يقلب الحدقة إلى جهنم فإن قلتم : المراد أنه لا ينظر إليهم نظر الرحمة كان ذلك جوابنا عما قالوه . التأويل الثالث : أن يكون معنى : * ( إلى ربها ناظرة ) * أنها لا تسأل ولا ترغب إلا إلى الله ، وهو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام : " اعبد الله كأنك تراه " فأهل القيامة لشدة تضرعهم إليه وانقطاع أطماعهم عن غيره صاروا كأنهم ينظرون إليه الجواب : قوله : ليس النظر عبارة عن الرؤية ، قلنا : ههنا مقامان : الأول : أن تقيم الدلالة على أن النظر هو الرؤية من وجهين : الأول : ما حكى الله تعالى عن موسى عليه السلام وهو قوله : * ( أنظر إليك ) * ( الأعراف : 143 ) فلو كان النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جانب المرئي ، لاقتضت الآية أن موسى عليه السلام أثبت لله تعالى وجهة ومكاناً وذلك محال الثاني : أنه جعل النظر أمراً مرتباً على الإرادة فيكون النظر متأخراً عن الإرادة ، وتقليب الحدقة غير متأخر عن الإرادة ، فوجب أن يكون النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جانب المرئي . المقام الثاني : وهو الأقرب إلى الصواب ، سلمنا أن النظر عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً لرؤيته ، لكنا نقول : لما تعذر حمله على حقيقته وجب حمله على مسببه وهو الرؤية ، إطلاقاً لاسم السبب على المسبب ، وحمله على الرؤية أولى من حمله على الانتظار ، لأن تقليب الحدقة كالسبب للرؤية ولا تعلق بينه وبين الانتظار ، فكان حمله على الرؤية أولى من حمله على الانتظار . أما قوله : النظر جاء بمعنى الانتظار ، قلنا : لنا في الجواب مقامان : الأول : أن النظر الوارد بمعنى الانتظار كثير في القرآن ، ولكنه لم يقرن البتة بحرف إلى كقوله تعالى : * ( انظرونا نقتبس من نوركم ) * ( الحديد : 13 ) وقوله : * ( هل ينظرون إلا تأويله ) * ( الأعراف : 53 ) * ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ) * ( البقرة : 210 ) والذي ندعيه أن النظر المقرون بحرف إلى المعدي إلى الوجوه ليس إلا بمعنى الرؤية