فخر الدين الرازي

226

تفسير الرازي

وتذرون الآخرة ، وقال سائر المفسرين : * ( كلا ) * معناه حقاً أي حقاً تحبون العاجلة وتذرون الآخرة ، والمعنى أنهم يحبون الدنيا ويعملون لها ويتركون الآخرة ويعرضون عنها . المسألة الثانية : قرىء تحبون وتذرون بالتاء والياء وفيه وجهان الأول : قال الفراء : القرآن إذا نزل تعريفاً لحال قوم ، فتارة ينزل على سبيل المخاطبة لهم . وتارة ينزل على سبيل المغايبة ، كقوله تعالى : * ( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ) * ( يونس : 22 ) الثاني : قال أبو علي الفارسي : الياء على ما تقدم من ذكر الإنسان في قوله : * ( أيحسب الإنسان ) * ( القيامة : 3 ) والمراد منه الكثرة ، كقوله : * ( إن الإنسان خلق هلوعاً ) * ( المعارج : 19 ) والمعنى أنهم يحبون ويذرون ، والتاء على قل لهم ، بل تحبون وتذرون . قوله تعالى * ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ) * . قال الليث : نضر اللون والشجر والورق ينضر نضرة ، والنضرة النعمة ، والناضر الناعم ، والنضر الحسن من كل شيء ، ومنه يقال للون إذا كان مشرقاً : ناضر ، فيقال : أخضر ناضر ، وكذلك في جميع الألوان ، ومعناه الذي يكون له برق ، وكذلك يقال : شجر ناضر ، وروض ناضر . ومنه قوله عليه السلام : " نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها " الحديث . أكثر الرواة رواه بالتخفيف ، وروى عكرمة عن الأصمعي : فيه التشديد ، وألفاظ المفسرين مختلفة في تفسير الناضر ، ومعناها واحد قالوا : مسرورة ، ناعمة ، مضيئة ، مسفرة ، مشرقة بهجة . وقال الزجاج : نضرت بنعيم الجنة ، كما قال : * ( تعرف في وجوههم نضرة النعيم ) * ( المطففين : 24 ) . قوله تعالى * ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) * . اعلم أن جمهور أهل السنة يتمسكون بهذه الآية في إثبات أن المؤمنين يرون الله تعالى يوم القيامة . أما المعتزلة فلهم ههنا مقامان أحدهما : بيان أن ظاهره لا يدل على رؤية الله تعالى والثاني : بيان التأويل . أما المقام الأول : فقالوا : النظر المقرون بحرف إلى ليس اسماً للرؤية ، بل لمقدمة الرؤية وهي تقليب الحدقة نحو المرئي التماس لرؤيته ، ونظر العين بالنسبة إلى الرؤية كنظر القلب بالنسبة إلى المعرفة ، وكالإصغاء بالنسبة إلى السماع ، فكما أن نظر القلب مقدمة للمعرفة ، والإصغاء مقدمة للسماع ، فكذا نظر العين مقدمة للرؤية ، قالوا : والذي يدل على أن النظر ليس اسماً للرؤية وجوه الأول : قوله تعالى : * ( وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ) * ( الأعراف : 198 ) أثبت النظر حال عدم الرؤية ، فدل على أن النظر غير الرؤية والثاني : أن النظر يوصف بما لا توصف به الرؤية ، يقال : نظر إليه نظراً شزراً ، ونظر غضبان ، ونظر راض ، وكل ذلك لأجل أن حركة الحدقة تدل على هذه الأحوال ، ولا توصف الرؤية بشئ من ذلك ، فلا يقال : رآه شزراً ، ورآه رؤية غضبان ، أو رؤية راض الثالث : يقال : انظر إليه حتى تراه ، ونظرت إليه فرأيته ، وهذا يفيد كون الرؤية