فخر الدين الرازي
222
تفسير الرازي
أيضاً كذلك ، لأن الإنسان بضرورة عقله يعلم أن ما يقربه إلى الله ويشغله بطاعته وخدمته فهو السعادة ، وما يبعده عن طاعة الله ويشغله بالدنيا ولذاتها فهو الشقاوة ، فهب أنه بلسانه يروج ويزور ويرى الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق ، لكنه بعقله السليم يعلم أن الذي هو عليه في ظاهره جيد أو رديء والثاني : أن المراد جوارحه تشهد عليه بما عمل فهو شاهد على نفسه بشهادة جوارحه ، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل وهو كقوله : * ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ) * ( النور : 24 ) وقوله : * ( وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم ) * ( يس : 36 ) وقوله : * ( شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم ) * ( فصلت : 20 ) فأما تأنيث البصيرة ، فيجوز أن يكون لأن المراد بالإنسان ههنا الجوارح كأنه قيل : بل جوارح الإنسان ، كأنه قيل بل جوارح الإنسان على نفس الإنسان بصيرة ، وقال أبو عبيدة هذه الهاء لأجل المبالغة كقوله : رجل راوية وطاغية وعلامة . واعلم أنه تعالى ذكر في الآية الأولى أن الإنسان يخبر يوم القيامة بأعماله . ثم ذكر في هذه الآية أنه شاهد على نفسه بما عمل ، فقال الواحدي هذا يكون من الكفار فإنهم ينكرون ما عملوا فيختم الله على أفواههم وينطق جوارحهم . * ( وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) * . للمفسرين فيه أقوال : الأول : قال الواحدي : المعاذير جمع معذرة يقال : معذرة ومعاذر ومعاذير : قال صاحب " الكشاف " جمع المعذرة معاذر والمعاذير ليس جمع معذرة ، وإنما هو اسم جمع لها ، ونحوه المناكير في المنكر ، والمعنى أن الإنسان وإن اعتذر عن نفسه وجادل عنها وأتى بكل عذر وحجة ، فإنه لا ينفعه ذلك لأنه شاهد على نفسه القول الثاني : قال الضحاك والسدي والفراء والمبرد والزجاج المعاذير الستور واحدها معذار ، قال المبرد : هي لغة يمانية ، قال صاحب " الكشاف " : إن صحت هذه الرواية فذاك مجاز من حيث إن الستر يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة الذنب ، والمعنى على هذا القول : أنه وإن أسبل الستر ليخفي ما يعمل ، فإن نفسه شاهدة عليه . * ( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ) * . فيه مسائل : المسألة الأولى : زعم قوم من قدماء الروافض أن هذا القرآن قد غير وبدل وزيد فيه ونقص عنه ، واحتجوا عليه بأنه لا مناسبة بين هذه الآية وبين ما قبلها : ولو كان هذا الترتيب من الله تعالى لما كان الأمر كذلك . واعلم أن في بيان المناسبة وجوهاً أولها : يحتمل أن يكون الاستعجال المنهي عنه ، إنما اتفق للرسول عليه السلام عند إنزال هذه الآيات عليه ، فلا جرم . نهى عن ذلك الاستعجال في هذا الوقت ، وقيل له : * ( لا تحرك به لسانك لتعجل به ) * وهذا كما أن المدرس إذا كان يلقي على تلميذه