فخر الدين الرازي

223

تفسير الرازي

شيئاً ، فأخذ التلميذ يلتفت يميناً وشمالاً ، فيقول : المدرس في أثناء ذلك الدرس لا تلتفت يميناً وشمالاً ثم يعود إلى الدرس ، فإذا نقل ذلك الدرس مع هذا الكلام في أثنائه ، فمن لم يعرف السبب يقول : إن وقوع تلك الكلمة في أثناء ذلك الدرس غير مناسب ، لكن من عرف الواقعة علم أنه حسن الترتيب وثانيها : أنه تعالى نقل عن الكفار أنهم يحبون السعادة العاجلة ، وذلك هو قوله : * ( بل يريد الإنسان ليفجر أمامه ) * ( القيامة : 5 ) ثم بين أن التعجيل مذموم مطلقاً حتى التعجيل في أمور الدين ، فقال : * ( لا تحرك به لسانك لتعجل به ) * وقال في آخر الآية : * ( كلا بل تحبون العاجلة ) * ( القيامة : 20 ) ، وثالثها : أنه تعالى قال : * ( بل الإنسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره ) * ( القيامة : 14 - 15 ) فههنا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يظهر التعجيل في القراءة مع جبريل ، وكان يجعل العذر فيه خوف النسيان ، فكأنه قيل له : إنك إذا أتيت بهذا العذر لكنك تعلم أن الحفظ لا يحصل إلا بتوفيق الله وإعانته فاترك هذا التعجيل واعتمد على هداية الله تعالى ، وهذا هو المراد من قوله : * ( لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه ) * ( القيامة : 16 - 17 ) ورابعها : كأنه تعالى قال : يا محمد إن غرضك من هذا التعجيل أن تحفظه وتبلغه إليهم لكن لا حاجة إلى هذا فإن * ( الإنسان على نفسه بصيرة ) * ( القيامة : 14 ) وهم بقلوبهم يعلمون أن الذي هم عليه من الكفر وعبادة الأوثان ، وإنكار البعث منكر باطل ، فإذا كان غرضك من هذا التعجيل أن تعرفهم قبح ما هم عليه ، ثم إن هذه المعرفة حاصلة عندهم ، فحينئذ لم يبق لهذا التعجيل فائدة ، فلا جرم قال : * ( لا تحرك به لسانك ) * وخامسها : أنه تعالى حكى عن الكافر أنه يقول : أين المفر ، ثم قال تعالى : * ( كلا لا وزر * إلى ربك يومئذ المستقر ) * ( القيامة : 11 - 12 ) فالكافر كأنه كان يفر من الله تعالى إلى غيره فقيل : لمحمد إنك في طلب حفظ القرآن ، تستعين بالتكرار وهذا استعانة منك بغير الله ، فاترك هذه الطريقة ، واستعن في هذا الأمر بالله فكأنه قيل : إن الكافر يفر من الله إلى غيره ، وأما أنت فكن كالمضاد له فيجب أن تفر من غير الله إلى الله وأن تستعين في كل الأمور بالله ، حتى يحصل لك المقصود على ما قال : * ( إن علينا جمعه وقرآنه ) * ( القيامة : 17 ) وقال في سورة أخرى : * ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ، وقل ربي زدني علماً ) * ( طه : 114 ) أي لا تستعن في طلب الحفظ بالتكرار بل اطلبه من الله تعالى وسادسها : ما ذكره القفال وهو أن قوله : * ( لا تحرك به لسانك ) * ليس خطاباً مع الرسول عليه السلام بل هو خطاب مع الإنسان المذكور في قوله : * ( ينبؤ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ) * ( القيامة : 13 ) فكان ذلك للإنسان حال ما ينبأ بقبائح أفعاله وذلك بأن يعرض عليه كتابه فيقال له : * ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ) * ( الإسراء : 14 ) فإذا أخذ في القراءة تلجلج لسانه من شدة الخوف وسرعة القراءة فيقال له لا تحرك به لسانك لتعجل به ، فإنه يجب علينا بحكم الوعد أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك عليك وأن نقرأها عليك فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالإقرار بأنك فعلت تلك الأفعال ، ثم إن علينا بيان أمره وشرح مراتب عقوبته ، وحاصل الأمر من تفسير هذه الآية أن المراد منه أنه تعالى يقرأ على الكافر جميع أعماله على سبيل التفصيل ، وفيه أشد الوعيد