فخر الدين الرازي
221
تفسير الرازي
عاين هذه الأحوال أين المفر ، والقراءة المشهورة بفتح الفاء ، وقرئ أيضاً بكسر الفاء ، والمفر بفتح الفاء هو الفرار ، قال الأخفش والزجاج : المصدر من فعل يفعل مفتوح العين . وهو قول جمهور أهل اللغة ، والمعنى أين الفرار ، وقول القائل : أين الفرار يحتمل معنيين أحدهما : أنه لا يرى علامات مكنة الفرار فيقول حينئذ : أين الفرار ، كما إذا أيس من وجدان زيد يقول : أين زيد والثاني : أن يكون المعنى إلى أين الفرار ، وأما المفر بكسر الفاء فهو الموضع ، فزعم بعض أهل اللغة أن المفر بفتح الفاء كما يكون اسماً للمصدر ، فقد يكون أيضاً اسماً للموضع والمفر بكسر الفاء كما يكون اسماً للموضع ، فقد يكون مصدراً ونظيره المرجع . * ( كَلاَّ لاَ وَزَرَ ) * . قوله تعالى : * ( كلا ) * وهو ردع عن طلب المفر * ( لا وزر ) * قال المبرد والزجاج : أصل الوزر الجبل المنيع ، ثم يقال : لكل ما التجأت إليه وتحصنت به وزر ، وأنشد المبرد قول كعب بن مالك : الناس آلت علينا فيك ليس لنا * إلا السيوف وأطراف القنا وزر ومعنى الآية أنه لا شيء يعتصم به من أمر الله . ثم قال تعالى : * ( إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ) * . وفيه وجهان أحدهما : أن يكون المستقر بمعنى الاستقرار ، بمعنى أنهم لا يقدرون أن يستقروا إلى غيره ، وينصبوا إلى غيره ، كما قال : * ( إن إلى ربك الرجعي ) * ( العلق : 8 ) * ( وإلى الله المصير ) * ( النور : 42 ) * ( ألا إلى الله تصير الأمور ) * ( الشورى : 53 ) * ( وأن إلى ربك المنتهى ) * ( النجم : 12 ) الثاني : أن يكون المعنى إلى ربك مستقرهم ، أي موضع قرارهم من جنة أو نار ، أي مفوض ذلك إلى مشيئته من شاء أدخله الجنة ، ومن شاء أدخله النار . * ( يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) * . بما قدم من عمل عمله ، وبما أخر من عمل لم يعمله ، أو بما قدم من ماله فتصدق به وبما أخره فخلفه ، أو بما قدم من عمل الخير والشر وبما أخر من سنة حسنة أو سيئة ، فعمل بها بعده ، وعن مجاهد أنه مفسر بأول العمل وآخره ، ونظيره قوله : * ( فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه ) * ( المجادلة : 6 ) وقال : * ( ونكتب ما قدموا وآثارهم ) * ( يس : 12 ) واعلم أن الأظهر أن هذا الإنباء يكون يوم القيامة عند العرض ، والمحاسبة ووزن الأعمال ، ويجوز أن يكون عند الموت وذلك أنه إذا مات بين له مقعده من الجنة والنار . * ( بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) * . اعلم أنه تعالى لما قال : * ( ينبؤ الإنسان ) * يومئذ بأعماله ، قال : بل لا يحتاج إلى أن ينبئه غير غيره ، وذلك لأن نفسه شاهدة بكونه فاعلاً لتلك الأفعال ، مقدماً عليها ، ثم في قوله : * ( بصيرة ) * وجهان الأول : قال الأخفش جعله في نفسه بصيرة كما يقال : فلان جود وكرم ، فههنا