فخر الدين الرازي

213

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( بل لا يخافون الآخرة ) * فلذلك أعرضوا عن التأمل ، فإنه لما حصلت المعجزات الكثيرة ، كفت في الدلالة على صحة النبوة فطلب الزيادة يكون من باب التعنت . ثم قال تعالى : * ( كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ ) * . ثم قال تعالى : * ( كلا ) * وهو ردع لهم عن إعراضهم عن التذكرة . ثم قال تعالى : * ( إنه تذكرة ) * يعني تذكرة بليغة كافية * ( فمن شاء ذكره ) * أي جعله نصب عينه ، فإن نفع ذلك راجع إليه ، والضمير في * ( إنه ) * * ( وذكره ) * للتذكرة في قوله : * ( فما لهم عن التذكرة معرضين ) * ( المدثر : 49 ) وإنما ذكر ( ت ) لأنها في معنى الذكر أو القرآن . ثم قال تعالى : * ( وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ) * . * ( وما يذكرون إلا أن يشاء الله ) * . قالت المعتزلة : يعني إلا أن يقسرهم على الذكر ويلجئهم إليه والجواب : أنه تعالى نفى الذكر مطلقاً ، واستثنى عنه حال المشيئة المطلقة ، فيلزم أنه متى حصلت المشيئة أن يحصل الذكر فحيث لم يحصل الذكر علمنا أنه لم تحصل المشيئة ، وتخصيص المشيئة بالمشيئة القهرية ترك للظاهر ، وقرئ يذكرون بالياء والتاء مخففاً ومشدداً . ثم قال تعالى : * ( هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) * أي هو حقيق بأن يتقيه عباده ويخافوا عقابه فيؤمنوا ويطيعوا وحقيق بأن يغفر لهم ما سلف من كفرهم إذا آمنوا وأطاعوا ، والله سبحانه وتعالى أعلم . والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .