فخر الدين الرازي
214
تفسير الرازي
سورة القيامة أربعون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم * ( لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلاَ أُقْسِمُ باِلنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) * . في الآية مسائل : المسألة الأولى : المفسرون ذكروا في لفظة * ( لا ) * في قوله : * ( لا أقسم ) * ثلاثة أوجه : الأول : أنها صلة زائدة والمعنى أقسم بيوم القيامة ونظيره * ( لئلا يعلم أهل الكتاب ) * وقوله : * ( ما منعك أن لا تسجد ، فبما رحمة من الله ) * ( آل عمران : 159 ) وهذا القول عندي ضعيف من وجوه : أولها : أن تجويز هذا يفضي إلى الطعن في القرآن ، لأن على هذا التقدير يجوز جعل النفي إثباتاً والإثبات نفياً وتجويزه يفضي إلى أن لا يبقى الاعتماد على إثباته ولا على نفيه وثانيها : أن هذا الحرف إنما يزاد في وسط الكلام لا في أوله ، فإن قيل : ( فال ) - كلام عليه من وجهين : الأول : لا نسلم أنها إنما تزاد في وسط الكلام ، ألا ترى إلى امرئ القيس كيف زادها في مستهل قصيدته وهي قوله : لا وأبيك ابنة العامري * لا يدعى القوم أني أفر الثاني : هب أن هذا الحرف لا يزاد في أول الكلام إلا أن القرآن كله كالسورة الواحدة لاتصال بعضه ببعض ، والدليل عليه أنه قد يذكر الشيء في سورة ثم يجيء جوابه في سورة أخرى كقوله تعالى : * ( وقالوا يا أيها الذين نزل عليه الذكر إنك لمجنون ) * ( الحجر : 6 ) ثم جاء جوابه في سورة أخرى وهو قوله : * ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) * وإذا كان كذلك ، كان أول هذه السورة جارياً مجرى وسط الكلام والجواب عن الأول : أن قوله لا وأبيك قسم عن النفي ، وقوله : * ( لا أقسم ) * نفي للقسم ، فتشبيه أحدهما بالآخر غير جائز ، وإنما قلنا : إن قوله لا أقسم نفي للقسم ، لأنه على وزان قولنا لا أقتل لا أضرب ، لا أنصر ، ومعلوم أن ذلك يفيد النفي . والدليل عليه أنه لو حلف لا يقسم كان البر بترك القسم ، والحنث بفعل القسم ، فظهر أن البيت المذكور ، ليس من هذا الباب وعن الثاني : أن القرآن كالسورة الواحدة في عدم التناقض ، فإما في أن يقرن بكل آية ما قرن بالآية الأخرى فذلك غير جائز ، لأنه يلزم جواز أن يقرن بكل إثبات حرف النفي في سائر الآيات ، وذلك يقتضي انقلاب كل إثبات نفياً وانقلاب كل نفي إثباتاً ، وإنه لا يجوز وثالثها : أن المراد من قولنا : لا صلة أنه لغو باطل ، يجب طرحه وإسقاطه حتى ينتظم الكلام ، ومعلوم أن وصف كلام الله تعالى بذلك