فخر الدين الرازي

212

تفسير الرازي

ثم شبههم في نفورهم عن القرآن بحمر نافرة فقال : * ( كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ) * . قال ابن عباس : يريد الحمر الوحشية ، ومستنفرة أي نافرة . يقال : نفر واستنفر مثل سخر ، واستسخر ، وعجب واستعجب ، وقرئ بالفتح ، وهي المنفرة المحمولة على النفار ، قال أبو علي الفارسي : الكسر في مستنفرة أولى ألا ترى أنه قال : * ( فرت من قسورة ) * وهذا يدل على أنها هي استنفرت ، ويدل على صحة ما قال أبو علي أن محمد بن سلام . قال : سألت أبا سوار الغنوي ، وكان أعرابياً فصيحاً ، فقلت : كأنهم حمر ماذا ؟ فقال : مستنفرة طردها قسورة ، قلت : إنما هو فرت من قسورة ، قال أفرت ؟ قلت : نعم ، قال فمستنفرة إذا . ثم قال تعالى : * ( فرت ) * يعني الحمر * ( من قسورة ) * . وذكروا في القسورة وجوهاً أحدها : أنها الأسد يقال : ليوث قساور ، وهي فعولة من القسر وهو القهر ، والغلبة سمي بذلك لأنه يقهر السباع ، قال ابن عباس : الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت كذلك هؤلاء المشركين إذا رأوا محمداً صلى الله عليه وسلم هربوا منه ، كما يهرب الحمار من الأسد ، ثم قال ابن عباس : القسورة ، هي الأسد بلسان الحبشة ، وخالف عكرمة فقال : الأسد بلسان الحبشة ، عنبسة وثانيها : القسورة ، جماعة الرماة الذين يتصيدونها ، قال الأزهري : هو اسم جمع للرماة لا واحد له من جنسه وثالثها : القسورة : ركز الناس وأصواتهم ورابعها : أنها ظلمة الليل . قال صاحب " الكشاف " : وفي تشبيههم بالحمر شهادة عليهم بالبله ، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ، وإطرادها في العدو إذا خافت من شيء . ثم قال تعالى : * ( بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً ) * . أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لا نؤمن بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه من رب العالمين إلى فلان بن فلان ، ونؤمر فيه باتباعك ، ونظيره * ( لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه ) * ( الأسراء : 93 ) وقال : * ( ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم ) * وقيل : إن كان محمد صادقاً فليصبح عند رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءة من النار ، وقيل : كانوا يقولون بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح مكتوباً على رأسه ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك ، وهذا من الصحف المنشرة بمعزل ، إلا أن يراد بالصحف المنشرة ، الكتابات الظاهرة المكشوفة ، وقرأ سعيد بن جبير * ( صحفاً منشرة ) * بتخفيفهما على أن أنشر الصحف ونشرها واحد ، كأنزله ونزله . ثم قال تعالى : * ( كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ الاَْخِرَةَ ) * . * ( كلا ) * وهو ردع لهم عن تلك الإرادة ، وزجر عن اقتراح الآيات .