فخر الدين الرازي

209

تفسير الرازي

وأبى الذي ترك الملوك وجمعهم * بصهاب هامدة كأمس الدابر القول الثاني : قال أبو عبيدة وابن قتيبة : دبر أي جاء بعد النهار ، يقال : دبرني أي جاء خلفي ودبر الليل أي جاء بعد النهار ، قال قطرب : فعلى هذا معنى إذا دبر إذا أقبل بعد مضي النهار . قوله تعالى * ( وَالصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ ) * . أي أضاء ، وفي الحديث : " أسفروا بالفجر " ومنه قوله : * ( وجوه يومئذ مسفرة ) * ( عبس : 38 ) أي مضيئة . ثم قال تعالى : * ( إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : هذا الكلام هو جواب القسم أو تعليل لكلام والقسم معترض للتوكيد . المسألة الثانية : قال الواحدي : ألف إحدى مقطوع ولا تذهب في الوصل . وروي عن ابن كثير أنه قرأ إنها لإحدى الكبر بحذف الهمزة كما يقال : ويلمه ، وليس هذا الحذف بقياس والقياس التخفيف وهو أن يجعل بين بين . المسألة الثالثة : قال صاحب " الكشاف " : الكبر جمع الكبرى جعلت ألف التأنيث كتاء التأنيث فكما جمعت فعلة على فعل جمعت فعلى عليها ونظير ذلك السوافي جمع السافياء وهو التراب الذي سفته الريح ، والقواصع في جميع القاصعاء كأنهما جمع فاعلة . المسألة الرابعة : * ( إنها لإحدى الكبرى ) * يعني أن سقر التي جرى ذكرها لإحدى الكبر والمراد من الكبر دركات جهنم ، وهي سبعة : جهنم ، ولظى ، والحطمة ، والسعير ، وسقر ، والجحيم والهاوية ، أعاذنا الله منها . * ( نَذِيراً لِّلْبَشَرِ ) * . نذيراً تمييز من إحدى على معنى أنها لإحدى الدواهي إنذاراً كما تقول هي إحدى النساء عفافاً ، وقيل : هو حال ، وفي قراءة أبي نذير بالرفع خبر أو بحذف المبتدأ . ثم قال تعالى : * ( لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ) * . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في تفسير الآية وجهان الأول : أن * ( يتقدم ) * في موضع الرفع بالابتداء ولمن شاء خبر مقدم عليه كقولك : لمن توضأ أن يصلي ، ومعناه التقدم والتأخر مطلقان لمن شاءهما منكم ، والمراد بالتقدم والتأخر السبق إلى الخير والتخلف عنه ، وهو في معنى قوله : * ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) * ( الكهف : 29 ) الثاني : لمن شاء بدل من قوله للبشر ، والتقدير : إنها نذير لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ، نظيره * ( ولله على الناس حج البيت من استطاع ) * ( آل عمران : 97 ) . المسألة الثانية : المعتزلة احتجوا بهذه الآية على كون العبد متمكناً من الفعل غير مجبور