فخر الدين الرازي
210
تفسير الرازي
عليه وجوابه : أن هذه الآية دلت على أن فعل العبد معلق على مشيئته ، لكن مشيئة العبد معلقة على مشيئة الله تعالى لقوله : * ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله ) * ( الإنسان : 3 ) وحينئذ تصير هذه الآية حجة لنا عليهم ، وذكر الأصحاب عن وجه الاستدلال بهذه الآية جوابين آخرين الأول : أن معنى إضافة المشيئة إلى المخاطبين التهديد ، كقوله : * ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) * ( الكهف : 29 ) الثاني : أن هذه المشيئة لله تعالى على معنى لمن شاء الله منكم أن يتقدم أو يتأخر . قوله تعالى * ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ ) * . قال صاحب " الكشاف " : رهينة ليست بتأنيث رهين في قوله : * ( كل امرئ بما كسب رهين ) * ( الطور : 21 ) لتأنيث النفس لأنه لو قصدت الصيغة لقيل : رهين ، لأن فعيلاً بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث ، وإنما هي اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم ، كأنه قيل : كل نفس بما كسبت رهن ، ومنه بيت الحماسة : أبعد الذي بالنعف نعف كواكب * رهينة رمس ذي تراب وجندل كأنه قال : رهن رمس ، والمعنى كل نفس رهن بكسبها عند الله غير مفكوك إلا أصحاب اليمين ، فإنهم فكوا عن رقاب أنفسهم بسبب أعمالهم الحسنة ، كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق ، ثم ذكروا وجوهاً في أن أصحاب اليمين من هم ؟ أحدها : قال ابن عباس : هم المؤمنون وثانيها : قال الكلبي : هم الذين قال ( فيهم ) الله تعالى : " هؤلاء في الجنة ولا أبالي " وهم الذين كانوا على يمين آدم وثالثها : قال مقاتل : هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم لا يرتهنون بذنوبهم في النار ورابعها : قال علي بن أبي طالب عليه السلام وابن عمر : هم أطفال المسلمين ، قال الفراء : وهو أشبه بالصواب لوجهين : الأول : لأن الولدان لم يكتسبوا إثماً يرتهنون به والثاني : أنه تعالى ذكر في وصفهم ، فقال : * ( في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر ) * وهذا إنما يليق بالولدان ، لأنهم لم يعرفوا الذنوب ، فسألوا * ( ما سلككم في سقر ) * ( المدثر : 40 - 42 ) وخامسها : عن ابن عباس : هم الملائكة . قوله تعالى * ( فِى جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ ) * . قوله تعالى : * ( في جنات ) * أي هم في جنات لا يكتنه وصفها . ثم قال تعالى : * ( يتساءلون * عن المجرمين ) * وفيه وجهان الأول : أن تكون كلمة عن صلة زائدة ، والتقدير : يتساءلون المجرمين فيقولون لهم : ما سلككم في سقر ؟ فإنه يقال سألته كذا ، ويقال : سألته عن كذا الثاني : أن يكون المعنى أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضاً عن أحوال المجرمين ، فإن قيل : فعلى هذا الوجه كان يجب أن يقولوا : ما سلكهم في سقر ؟ قلنا : أجاب صاحب " الكشاف " عنه فقال : المراد من هذا أن المسؤولين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين ،