فخر الدين الرازي

208

تفسير الرازي

هذه الآيات ، وهو كقوله : * ( فزادتهم إيماناً ) * ( التوبة : 124 ) وكقوله : * ( فزادتهم رجساً ) * ( التوبة : 125 ) وثالثها : أن المراد من قوله : * ( يضل ) * ومن قوله : * ( يهدي ) * حكم الله بكونه ضالاً ويكون مهتدياً ورابعها : أنه تعالى يضلهم يوم القيامة عن دار الثواب ، وهذه الكلمات مع أجوبتها تقدمت في سورة البقرة في قوله : * ( يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً ) * ( البقرة : 26 ) . قوله تعالى : * ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) * فيه وجوه : أحدها : وهو الأولى أن القوم استقبلوا ذلك العدد ، فقال تعالى : * ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) * فهب أن هؤلاء تسعة عشر إلا أن لكل واحد منهم من الأعوان والجنود مالا يعلم عددهم إلا الله وثانيها : وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو ، فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين ولكن له في هذا العدد حكمة لا يعلمها الخلق وهو جل جلاله يعلمها وثالثها : أنه لا حاجة بالله سبحانه في تعذيب الكفار والفساق إلى هؤلاء الخزنة ، فإنه هو الذي يعذبهم في الحقيقة ، وهو الذي يخلق الآلام فيهم ، ولو أنه تعالى قلب شعرة في عين ابن آدم أو سلط الألم على عرق واحد من عروق بدنه لكفاه ذلك بلاء ومحنة ، فلا يلزم من تقليل عدد الخزنة قلة العذاب ، فجنود الله غير متناهية لأن مقدوراته غير متناهية . قوله تعالى : * ( وما هي إلا ذكرى للبشر ) * الضمير في قوله : * ( وما هي ) * إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : الأول : أنه عائد إلى سقر ، والمعنى وما سقر وصفتها إلا تذكرة للبشر والثاني : أنه عائد إلى هذه الآيات المشتملة على هذه المتشابهات ، وهي ذكرى لجميع العالمية ، وإن كان المنتفع بها ليس إلا أهل الإيمان . * ( كَلاَّ وَالْقَمَرِ * وَالَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ) * . ثم قال تعالى : * ( كلا ) * وفيه وجوه أحدها : أنه إنكار بعد أن جعلها ذكرى ، أن تكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون وثانيها : أنه ردع لمن ينكر أن يكون إحدى الكبر نذيراً وثالثها : أنه ردع لقول أبي جهل وأصحابه : إنهم يقدرون على مقاومة خزنة النار ورابعها : أنه ردع لهم عن الاستهزاء بالعدة المخصوصة . ثم قال تعالى : * ( والقمر * والليل إذ أدبر ) * وفيه قولان : الأول : قال الفراء والزجاج : دبر وأدبر بمعنى واحد كقبل وأقبل ويدل على هذا قراءة من قرأ إذا دبر ، وروى أن مجاهداً سأل ابن عباس عن قوله : * ( دبر ) * فسكت حتى إذا أدبر الليل قال : يا مجاهد هذا حين دبر الليل ، وروى أبو الضحى أن ابن عباس كان يعيب هذه القراءة ويقول : إنما يدبر ظهر البعير ، قال الواحدي : والقراءتان عند أهل اللغة سواء على ما ذكرنا ، وأنشد أبو علي :