فخر الدين الرازي
199
تفسير الرازي
والبساتين الكثيرة بالطائف والأشجار والأنهار والنقد الكثير ، وقال مقاتل : كان له بستان لا ينقطع نفعه شتاء ولا صيفاً ، فالممدود هنا كما في قوله : * ( وظل ممدود ) * ( الواقعة : 30 ) أي لا ينقطع ورابعها : أنه المال الكثير وذلك لأن المال الكثير إذا عدد فإنه يمتد تعديده ، ومن المفسرين من قدر المال الممدود فقال بعضهم : ألف دينار ، وقال آخرون : أربعة آلاف وقال آخرون : ألف ألف ، وهذه التحكمات مما لا يميل إليها الطبع السليم . * ( وَبَنِينَ شُهُوداً ) * . فيه وجهان الأول : بنين حضوراً معه بمكة لا يفارقونه البتة لأنهم كانوا أغنياء فما كانوا محتاجين إلى مفارقته لطلب كسب ومعيشة وكان هو مستأنساً بهم طيب القلب بسبب حضورهم والثاني : يجوز أن يكون المراد من كونهم شهوداً أنهم رجال يشهدون معه المجامع والمحافل وعن مجاهد : كانوا عشرة ، وقيل : سبعة كلهم رجال الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص وقيس وعبد شمس أسلم منهم ثلاثة خالد وعمارة وهشام . * ( وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً ) * . أي وبسطت له الجاه العريض والرياسة في قومه فأتممت عليه نعمتي المال والجاه ، واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا ، ولهذا المعنى يدعى بهذا فيقال أدام الله تمهيده أي بسطته وتصرفه في الأمور ، ومن المفسرين من جعل هذا التمهيد البسطة في العيش وطول العمر ، وكان الوليد من أكابر قريش ولذلك لقب الوحيد وريحانة قريش . * ( ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ) * . لفظ ثم ههنا معناه التعجب كما تقول لصاحبك : أنزلتك داري وأطعمتك وأسقيتك ثم أنت تشتمني ، ونظيره قوله تعالى : * ( الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) * ( الأنعام : 1 ) فمعنى ( ثم ) ههنا للإنكار والتعجب ثم تلك الزيادة التي كان يطمع فيها هل هي زيادة في الدنيا أو في الآخرة ؟ فيه قولان الأول : قال الكلبي ومقاتل : ثم يرجو أن أزيد في ماله وولده وقد كفر بي الثاني : أن تلك الزيادة في الآخرة قيل : إنه كان يقول إن كان محمد صادقاً فما خلقت الجنة إلا لي ، ونظيره قوله تعالى : * ( أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولداً ) * ( مريم : 77 ) . * ( كَلاَّ إِنَّهُ كان لاَْيَاتِنَا عَنِيداً ) * . ثم قال تعالى : * ( كلا ) * وهو ردع له عن ذلك الطمع الفاسد قال المفسرون ولم يزل الوليد في نقصان بعد قوله : * ( كلا ) * حتى افتقر ومات فقيراً . قوله تعالى : * ( إنه كان لآياتنا عنيداً ) * إنه تعليل للردع على وجه الاستئناف كأن قائلاً قال : لم لا يزاد ؟ فقيل : لأنه كان لآياتنا عنيداً والعنيد في معنى المعاند كالجليس والأكيل والعشير ، وفي