فخر الدين الرازي

200

تفسير الرازي

هذه الآية إشارة إلى أمور كثيرة من صفاته أحدها : أنه كان معانداً في جميع الدلائل الدالة على التوحيد والعدل والقدرة وصحة النبوة وصحة البعث ، وكان هو منازعاً في الكل منكراً للكل وثانيها : أن كفره كان كفر عناد كان يعرف هذه الأشياء بقلبه إلا أنه كان ينكرها بلسانه وكفر المعاند أفحش أنواع الكفر وثالثها : أن قوله : * ( إنه كان لآياتنا عنيداً ) * يدل على أنه من قديم الزمان كان على هذه الحرفة والصنعة ورابعها : أن قوله : * ( إنه كان لآياتنا عنيداً ) * يفيد أن تلك المعاندة كانت منه مختصة بآيات الله تعالى وبيناته ، فإن تقديره : إنه كان لآياتنا عنيداً لا لآيات غيرنا ، فتخصيصه هذا العناد بآيات الله مع كونه تاركاً للعناد في سائر الأشياء يدل على غاية الخسران . قوله تعالى * ( سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ) * . أي سأكلفه صعوداً وفي الصعود قولان : الأول : أنه مثل لما يلقى من العذاب الشاق الصعب الذي لا يطاق مثل قوله : * ( يسلكه عذاباً صعداً ) * ( الجن : 17 ) وصعود من قولهم : عقبة صعود وكدود شاقة المصعد والثاني : أن صعوداً اسم لعقبة في النار كلما وضع يده عليها ذابت فإذا رفعها عادت وإذا وضع رجله ذابت وإذا رفعها عادت ، وعنه عليه الصلاة والسلام : " الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفاً ثم يهوي كذلك فيه أبداً " . ثم إنه تعالى حكى كيفية عناده فقال : * ( إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ) * . يقال : فكر في الأمر وتفكر إذا نظر فيه وتدبر ، ثم لما تفكر رتب في قلبه كلاماً وهيأه وهو المراد من قوله : * ( فقدر ) * . ثم قال تعالى : * ( فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ) * . وهذا إنما يذكر عند التعجب والاستعظام ، ومثله قولهم : قتله الله ما أشجعه ، وأخزاه الله ما أشعره ، ومعناه . أنه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن يحسد ويدعو عليه حاسده بذلك ، وإذا عرفت ذلك فنقول إنه يحتمل ههنا وجهين أحدهما : أنه تعجيب من قوة خاطره ، يعني أنه لا يمكن القدح في أمر محمد عليه السلام بشبهة أعظم ولا أقوى مما ذكره هذا القائل والثاني : الثناء عليه على طريقة الاستهزاء ، يعني أن هذا الذي ذكره في غاية الركاكة والسقوط . ثم قال : * ( ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ) * . والمقصود من كلمه ، ثم ههنا الدلالة على أن الدعاء عليه في الكرة الثانية أبلغ من الأولى . ثم قال : * ( ثُمَّ نَظَرَ ) * . والمعنى أنه أولاً : فكر وثانياً : قدر وثالثاً : نظر في ذلك المقدر ، فالنظر السابق للاستخراج ، والنظر اللاحق للتقدير ، وهذا هو الاحتياط . فهذه المراتب الثلاثة متعلقة بأحوال قلبه .