فخر الدين الرازي
193
تفسير الرازي
السبب جعلوا الثواب كناية عن الإنسان ، يقال : المجد في ثوبه والعفة في إزاره والثاني : أن الغالب أن من طهر باطنه ، فإنه يطهر ظاهره الوجه الثاني : في تأويل الآية أن قوله : * ( وثيابك فطهر ) * أمر له بالاحتراز عن الآثام والأوزار التي كان يقدم عليها قبل النبوة ، وهذا على تأويل من حمل قوله : * ( ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك ) * ( الشرح : 2 ، 3 ) على أيام الجاهلية الوجه الثاني : في تأويل الآية قال محمد بن عرفة النحوي معناه : نساءك طهرهن ، وقد يكنى عن النساء بالثياب ، قال تعالى : * ( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) * ( البقرة : 187 ) وهذا التأويل بعيد ، لأن على هذا الوجه لا يحسن اتصال الآية بما قبلها . * ( وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) * . فيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في الرجز وجوهاً الأول : قال العتبي : الرجز العذاب قال الله تعالى : * ( لئن كشفت عنا الرجز ) * ( الأعراف : 134 ) أي العذاب ثم سمي كيد الشيطان رجزاً لأنه سبب للعذاب ، وسميت الأصنام رجزاً لهذا المعنى أيضاً ، فعلى هذا القول تكون الآية دالة على وجوب الاحتراز عن كل المعاصي ، ثم على هذا القول احتمالان أحدهما : أن قوله : * ( والرجز فاهجر ) * يعني كل ما يؤدي إلى الرجز فاهجره ، والتقدير وذا الزجر فاهجر أي ذا العذاب فيكون المضاف محذوفاً والثاني : أنه سمي إلى ما يؤدي إلى العذاب عذاباً تسمية للشيء ، باسم ما يجاوره ويتصل به القول الثاني : أن الرجز اسم للقبيح المستقذر وهو معنى الرجس ، فقوله : * ( والرجز فاهجر ) * كلام جامع في مكارم الأخلاق كأنه قيل له : اهجر الجفاء والسفه وكل شيء قبيح ، ولا تتخلق بأخلاق هؤلاء المشركين المستعملين للرجز ، وهذا يشاكل تأويل من فسر قوله : * ( وثيابك فطهر ) * ( المدثر : 4 ) على تحسين الخلق وتطهير النفس عن المعاصي والقبائح . المسألة الثانية : احتج من جوز المعاصي على الأنبياء بهذه الآية ، قال لولا أنه كان مشتغلاً بها وإلا لما زجر عنها بقوله : * ( والرجز فاهجر ) * والجواب المراد منه الأمر بالمداومة على ذلك الهجران ، كما أن المسلم إذا قال : اهدنا فليس معناه أنا لسنا على الهداية فاهدنا ، بل المراد ثبتنا على هذه الهداية ، فكذا ههنا . المسألة الثالثة : قرأ عاصم في رواية حفص والرجز بضم الراء في هذه السورة وفي سائر القرآن بكسر الراء ، وقرأ الباقون وعاصم في رواية أبي بكر بالكسر وقرأ يعقوب بالضم ، ثم قال الفراء : هما لغتان والمعنى واحد ، وفي كتاب الخليل الرجز بضم الراء عبادة الأوثان وبكسر الراء العذاب ، ووسواس الشيطان أيضاً رجز ، وقال أبو عبيدة : أفشى اللغتين وأكثرهما الكسر . * ( وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ) * . فيه مسائل : المسألة الأولى : القراءة المشهورة تستكثر برفع الراء وفيه ثلاثة أوجه أحدها : أن