فخر الدين الرازي

194

تفسير الرازي

يكون التقدير ولا تمنن لتستكثر فتنزع اللام فيرتفع وثانيها : أن يكون التقدير لا تمنن أن تستكثر ثم تحذف أن الناصبة فتسلم الكلمة من الناصب والجازم فترتفع ويكون مجاز الكلام لا تعط لأن تستكثر وثالثها : أنه حال متوقعة أي لا تمنن مقدراً أن تستكثر قال أبو علي الفارسي : هو مثل قولك مررت برجل معه صقر صائداً به غدا أي مقدراً للصيد فكذا ههنا المعنى مقدراً الاستكثار ، قال : ويجوز أن يحكي به حالاً أتية ، إذا عرفت هذا فنقول ، ذكروا في تفسير الآية وجوهاً أحدها : أنه تعالى أمره قبل هذه الآية ، بأربعة أشياء : إنذار القوم ، وتكبير الرب ، وتطهير الثياب ، وهجر الرجز ، ثم قال : * ( ولا تمنن تستكثر ) * أي لا تمنن على ربك بهذه الأعمال الشاقة ، كالمستكثر لما تفعله ، بل اصبر على ذلك كله لوجه ربك متقرباً بذلك إليه غير ممتن به عليه . قال الحسن ، لا تمنن على ربك بحسناتك فتستكثرها وثانيها : لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين ، والوحي كالمستكثر لذلك الإنعام ، فإنك إنما فعلت ذلك بأمر الله ، فلا منة لك عليهم ، ولهذا قال : * ( ولربك فاصبر ) * ( المدثر : 7 ) ، وثالثها : لا تمنن عليهم بنبوتك لتستكثر ، أي لتأخذ منهم على ذلك أجراً تستكثر به مالك ورابعها : لا تمنن أي لا تضعف من قولهم : حبل منين أي ضعيف ، يقال : منه السير أي أضعفه . والتقدير فلا تضعف أن تستكثر من هذه الطاعات الأربعة التي أمرت بها قبل هذه الآية ، ومن ذهب إلى هذا قال : هو مثل قوله : * ( أفغير الله تأمروني أعبد ) * ( الزمر : 64 ) أي أن أعبد فحذفت أن وذكر الفراء أن في قراءة عبد الله ( ولا تمتن تستكثر ) وهذا يشهد لهذا التأويل ، وهذا القول اختيار مجاهد وخامسها : وهو قول أكثر المفسرين أن معنى قوله : * ( ولا تمنن ) * أي لا تعط يقال : مننت فلاناً كذا أي أعطيته ، قال : * ( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك ) * ( ص : 39 ) أي فأعط ، أو أمسك وأصله أن من أعطى فقد من ، فسميت العطية بالمن على سبيل الاستعارة ، فالمعنى ولا تعط مالك لأجل أن تأخذ أكثر منه ، وعلى هذا التأويل سؤالات : السؤال الأول : ما الحكمة في أن الله تعالى منعه من هذا العمل ؟ الجواب : الحكمة فيه من وجوه الأول : لأجل أن تكون عطاياه لأجل الله لا لأجل طلب الدنيا ، فإنه نهى عن طلب الدنيا في قوله : * ( ولا تمدن عينيك ) * ( الحجر : 88 ) وذلك لأن طلب الدنيا لا بد وأن تكون الدنيا عنده عزيزة ، ومن كان كذلك لم يصلح لأداء الرسالة الثاني : أن من أعطى غيره القليل من الدنيا ليأخذ الكثير لا بد وأن يتواضع لذلك الغير ويتضرع له ، وذلك لا يليق بمنصب النبوة ، لأنه يوجب دناءة الآخذ ، ولهذا السبب حرمت الصدقات عليه ، وتنفير المأخوذ منه ، ولهذا قال : * ( أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون ) * ( الطور : 40 ) . السؤال الثاني : هذا النهي مختص بالرسول عليه الصلاة والسلام ، أم يتناول الأمة ؟ الجواب : ظاهر اللفظ لا يفيد العموم وقرينة الحال لا تقتضي العموم لأنه عليه الصلاة والسلام إنما نهى عن ذلك تنزيهاً لمنصب النبوة ، وهذا المعنى غير موجود في الأمة ، ومن الناس من قال