فخر الدين الرازي

192

تفسير الرازي

بيته حزيناً وتدثر بثيابه ، فقيل : * ( يا أيها المدثر * قم فأنذر ) * ( المدثر : 1 - 2 ) ولا تمنعك تلك السفاهة عن الإنذار * ( وربك فكبر ) * ( المدثر : 3 ) عن أن لا ينتقم منهم * ( وثيابك فطهر ) * عن تلك النجاسات والقاذورات ، الاحتمال الثاني : أن يبقى لفظ الثياب على حقيقته ، ويجعل لفظ التطهير على مجازه ، فهنا قولان : الأول : أن المراد من قوله : * ( فطهر ) * أي فقصر ، وذلك لأن العرب كانوا يطولون ثيابهم ويجرون أذيالهم فكانت ثيابهم تتنجس ، ولأن تطويل الذيل إنما يفعل للخيلاء والكبر ، فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك القول الثاني : * ( وثيابك فطهر ) * أي ينبغي أن تكون الثياب التي تلبسها مطهرة عن أن تكون مغصوبة أو محرمة ، بل تكون مكتسبة من وجه حلال ، الاحتمال الثالث : أن يبقى لفظ التطهير على حقيقته ، ويحمل لفظ الثياب على مجازه ، وذلك أن يحمل لفظ الثياب على الحقيقة وذلك لأن العرب ما كانوا يتنظفون وقت الاستنجاء ، فأمر عليه الصلاة والسلام بذلك التنظيف وقد يجعل لفظ الثياب كناية عن النفس . قال عنترة : فشككت بالرمح الأصم ثيابه ( أي نفسه ) ولهذا قال : ليس الكريم على القنا بمحرم الاحتمال الرابع : وهو أن يحمل لفظ الثياب ، ولفظ التطهير على المجاز ، وذكروا على هذا الاحتمال وجوهاً الأول : وهو قول أكثر المفسرين : وقلبك فطهر عن الصفات المذمومة وعن الحسن : * ( وثيابك فطهر ) * قال : وخلقك فحسن ، قال القفال : وهذا يحتمل وجوهاً أحدها : أن الكفار لما لقبوه بالساحر شق ذلك عليه جداً ، حتى رجع إلى بيته وتدثر بثيابه ، وكان ذلك إظهار جزع وقلة صبر يقتضيه سوء الخلق ، فقيل له : * ( قم فأنذر ) * ( المدثر : 2 ) ولا تحملنك سفاهتهم على ترك إنذارهم بل حسن خلقك والثاني : أنه زجر عن التخلق بأخلاقهم ، فقيل له : طهر ثيابك أي قلبك عن أخلاقهم ، في الافتراء والتقول والكذب وقطع الرحم والثالث : فطهر نفسك وقلبك عن أن تعزم على الانتقام منهم والإساءة إليهم ، ثم إذا فسرنا الآية بهذا الوجه ، ففي كيفية اتصالها بما قبلها وجهان الأول : أن يقال : إن الله تعالى لما ناداه في أول السورة ، فقال : * ( يا أيها المدثر ) * ( المدثر : 1 ) وكان التدثر لباساً ، والدثار من الثياب ، قيل طهر ثيابك التي أنت متدثر بها عن أن تلبسها على هذا التفكر والجزع والضجر من افتراء المشركين الوجه الثاني : أن يفسر المدثر بكونه متدثراً بالنبوة ، كأنه قيل : يا أيها المتدثر بالنبوة طهر ما تدثرت به عن الجزع وقلة الصبر ، والغضب والحقد ، فإن ذلك لا يليق بهذا الدثار ، ثم أوضح ذلك بقوله : * ( ولربك فاصبر ) * ( المدثر : 7 ) واعلم أن حمل المدثر على المتصف ببعض الصفات جائز ، يقال : فلان طاهر الجيب نقي الذيل ، إذا وصفوه بالنقاء من المعايب ، ويقال : فلان دنس الثياب إذا كان موصوفاً بالأخلاق الذميمة ، قال الشاعر : فلا أب وابناً مثل مروان وابنه * إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا والسبب في حسن هذه الكناية وجهان الأول : أن الثوب كالشئ الملازم للإنسان ، فلهذا