فخر الدين الرازي

191

تفسير الرازي

مما يقوله عبدة الأوثان وثانيها : قال مقاتل : هو أن يقول : الله أكبر ، روى أنه " لما نزلت هذه الآية قام النبي صلى الله عليه وسلم وقال : الله أكبر كبيراً ، فكبرت خديجة وفرحت ، وعلمت أنه أوحى إليه " وثالثها : المراد منه التكبير في الصلوات ، فإن قيل : هذه السورة نزلت في أول البعث وما كانت الصلاة واجبة في ذلك الوقت ؟ قلنا : لا يبعد أنه كانت له عليه السلام صلوات تطوعية ، فأمر أن يكبر ربه فيها ورابعها : يحتمل عندي أن يكون المراد أنه لما قيل له : * ( قم فأنذر ) * قيل بعد ذلك : * ( وربك فكبر ) * عن اللغو والعبث . واعلم أنه ما أمرك بهذا الإنذار إلا لحكمة بالغة ، ومهمات عظيمة ، لا يجوز لك الإخلال بها ، فقوله : * ( وربك ) * كالتأكيد في تقرير قوله : * ( قم فأنذر ) * وخامسها : عندي فيه وجه آخر وهو أنه لما أمره بالإنذار ، فكأن سائلاً سأل وقال : بماذا ينذر ؟ فقال : أن يكبر ربه عن الشركاء والأضداد والأنداد ومشابهة الممكنات والمحدثات ، ونظير قوله في سورة النحل : * ( أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ) * ( النحل : 2 ) وهذا تنبيه على أن الدعوة إلى معرفة الله ومعرفة تنزيهه مقدمة على سائر أنواع الدعوات . المسألة الثانية : الفاء في قوله : * ( فكبر ) * ذكروا فيه وجوهاً أحدها : قال أبو الفتح الموصلي : يقال : زيداً فاضرب ، وعمراً فاشكر ، وتقديره زيداً اضرب وعمراً اشكر ، فعنده أن الفاء زائدة وثانيها : قال الزجاج : دخلت الفاء لإفادة معنى الجزائية ، والمعنى : قم فكبر ربك وكذلك ما بعده على هذا التأويل وثالثها : قال صاحب " الكشاف " : الفاء لإفادة معنى الشرط ، والتقدير : وأي شيء كان فلا تدع تكبيره . * ( وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ) * . اعلم أن تفسير هذه الآية يقع على أربعة أوجه أحدها : أن يترك لفظ الثياب والتطهير على ظاهره والثاني : أن يترك لفظ الثياب على حقيقته ، ويحمل لفظ التطهير على مجازه الثالث : أن يحمل لفظ الثياب على مجازه ، ويترك لفظ التطهير على حقيقته والرابع : أن يحمل اللفظان على المجاز أما الاحتمال الأول : وهو أن يترك لفظ الثياب ، ولفظ التطهير على حقيقته ، فهو أن نقول : المراد منه أنه عليه الصلاة والسلام ، أمر بتطهير ثيابه من الأنجاس والأقذار ، وعلى هذا التقدير يظهر في الآية ثلاثة احتمالات أحدها : قال الشافعي : المقصود منه الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس وثانيها : قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان المشركون ما كانوا يصونون ثيابهم عن النجاسات ، فأمره الله تعالى بأن يصون ثيابه عن النجاسات وثالثها : روي أنهم ألقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلى شاة ، فشق عليه ورجع إلى