فخر الدين الرازي

190

تفسير الرازي

فدخل عليه أبو جهل ، وقال مالك : يا أبا عبد شمس ؟ هذه قريش تجمع لك شيئاً ، زعموا أنك احتججت وصبأت ، فقال : الوليد مالي إليه حاجة ، ولكني فكرت في محمد . فقلت : إنه ساحر ، لأن الساحر هو الذي يفرق بين الأب وابنه وبين الأخوين ، وبين المرأة وزوجها ، ثم إنهم أجمعوا على تلقيب محمد عليه الصلاة والسلام بهذا اللقب ، ثم إنهم خرجوا فصرخوا بمكة والناس مجتمعون ، فقالوا : إن محمداً لساحر ، فوقعت الضجة في الناس أن محمداً ساحر ، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اشتد عليه ، ورجع إلى بيته محزوناً فتدثر بثوبه ، فأنزل الله تعالى : * ( يا أيها المدثر * قم فأنذر ) * وثالثها : أنه عليه الصلاة والسلام كان نائماً متدثراً بثيابه ، فجاءه جبريل عليه السلام وأيقظه ، وقال : * ( يا أيها المدثر ، قم فأنذر ) * كأنه قال : له اترك التدثر بالثياب والنوم ، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله له . القول الثاني : أنه ليس المراد من المدثر ، المتدثر بالثياب ، وعلى هذا الاحتمال فيه وجوه أحدها : أن المراد كونه متدثراً بدثار النبوة والرسالة من قولهم : ألبسه الله لباس التقوى وزينه برداء العلم ، ويقال : تلبس فلان بأمر كذا ، فالمراد * ( يا أيها المدثر ) * بدثار النبوة * ( قم فأنذر ) * ( المدثر : 2 ) وثانيها : أن المتدثر بالثوب يكون كالمختفي فيه ، وأنه عليه الصلاة والسلام في جبل حراء كان كالمختفي من الناس ، فكأنه قيل : يا أيها المتدثر بدثار الخمول والاختفاء ، قم بهذا الأمر واخرج من زاوية الخمول ، واشتغل بإنذار الخلق ، والدعوة إلى معرفة الحق وثالثها : أنه تعالى جعله رحمة للعالمين ، فكأنه قيل له : يا أيها المدثر بأثواب العلم العظيم ، والخلق الكريم ، والرحمة الكاملة قم فأنذر عذاب ربك . المسألة الثالثة : عن عكرمة أنه قرىء على لفظ اسم المفعول من دثره ، كأنه قيل له : دثرت هذا الأمر وعصيت به ، وقد سبق نظيره في المزمل . * ( قُمْ فَأَنذِرْ ) * . في قوله : * ( قم ) * وجهان أحدهما : قم من مضجعك والثاني : قم قيام عزم وتصميم ، وفي قوله : * ( فأنذر ) * وجهان أحدهما : حذر قومك من عذاب الله إن لم يؤمنوا . وقال ابن عباس : قم نذيراً للبشر ، احتج القائلون بالقول الأول بقوله تعالى : * ( وأنذر ) * واحتج القائلون بالقول الثاني بقوله تعالى : * ( وما أرسلناك إلا كافة للناس ) * ( سبأ : 28 ) وههنا قول ثالث ، وهو أن المراد فاشتغل بفعل الإنذار ، كأنه تعالى يقول له تهيأ لهذه الحرفة ، فإنه فرق بين أن يقال تعلم صنعة المناظرة ، وبين أن يقال : ناظر زيداً . * ( وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ) * . فيه مسألتان : المسألة الأولى : ذكروا في تفسير التكبير وجوهاً أحدها : قال الكلبي : عظم ربك