فخر الدين الرازي

181

تفسير الرازي

ثم ذكر كيفية عذابهم عند الله فقال : * ( إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً ) * . أي إن لدينا في الآخرة ما يضاد تنعمهم في الدنيا ، وذكر أموراً أربعة أولها : قوله : * ( أنكالاً ) * واحدها نكل ونكل ، قال الواحدي : النكل القيد ، وقال صاحب الكشاف : النكل القيد الثقيل وثانيها : قوله : * ( وجحيماً ) * ولا حاجة به إلى التفسير وثالثها : قوله : * ( وطعاماً ذا غصة ) * الغصة ما يغص به الإنسان ، وذلك الطعام هو الزقوم والضريع كما قال تعالى : * ( ليس لهم طعام إلا من ضريع ) * ( الغاشية : 6 ) قالوا : إنه شوك كالعوسج يأخذ بالحلق يدخل ولا يخرج ورابعها : قوله : * ( وعذاباً أليماً ) * والمراد منه سائر أنواع العذاب ، واعلم أنه يمكن حمل هذه المراتب الأربعة على العقوبة الروحانية ، أما الأنكال فهي عبارة عن بقاء النفس في قيد التعلقات الجسمانية واللذات البدنية ، فإنها في الدنيا لما اكتسبت ملكة تلك المحبة والرغبة ، فبعد البدن يشتد الحنين ، مع أن آلات الكسب قد بطلت فصارت تلك كالأنكال والقيود المانعة له من التخلص إلى عالم الروح والصفاء ، ثم يتولد من تلك القيود الروحانية نيران روحانية ، فإن شدة ميلها إلى الأحوال البدنية وعدم تمكنها من الوصول إليها ، يوجب حرقة شديدة روحانية كمن تشتد رغبته في وجدان شيء ، ثم إنه لا يجده فإنه يحترق قلبه عليه ، فذاك هو الجحيم ، ثم إنه يتجرع غصة الحرمان وألم الفراق ، فذاك هو المراد من قوله : * ( وطعاماً ذا غصة ) * ثم إنه بسبب هذه الأحوال بقي محروماً عن تجلي نور الله والانخراط في سلك المقدسين ، وذلك هو المراد من قوله : * ( وعذاباً أليماً ) * والتنكير في قوله : * ( وعذاباً ) * يدل على أن هذا العذاب أشد مما تقدم وأكمل ، واعلم أني لا أقول المراد بهذه الآيات هو ما ذكرته فقط ، بل أقول إنها تفيد حصول المراتب الأربعة الجسمانية ، وحصول المراتب الأربعة الروحانية ، ولا يمتنع حمله عليهما ، وإن كان اللفظ بالنسبة إلى المراتب الجسمانية حقيقة ، وبالنسبة إلى المراتب الروحانية مجازاً متعارفاً مشهوراً . ثم إنه تعالى لما وصف العذاب ، أخبر أنه متى يكون ذلك فقال تعالى : * ( يَوْمَ تَرْجُفُ الاَْرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الزجاج : * ( يوم ) * منصوب بقول : * ( إن لدينا أنكالاً وجحيماً ) * ( المزمل : 12 ) أي ننكل بالكافرين ونعذبهم يوم ترجف الأرض . المسألة الثانية : الرجفة الزلزلة والزعزعة الشديدة ، والكثيب القطعة العظيمة من الرمل تجتمع محدودبة وجمعه الكثبان ، وفي كيفية الاشتقاق قولان : أحدهما : أنه من كثب الشيء