فخر الدين الرازي

182

تفسير الرازي

إذا جمعه كأنه فعيل بمعنى مفعول والثاني : قال الليث : الكثيب نثر التراب أو الشيء يرمي به ، والفعل اللازم انكثب ينكثب انكثاباً ، وسمي الكثيب كثيباً ، لأن ترابه دقاق ، كأنه مكثوب منثور بعضه على بعض لرخاوته ، وقوله : * ( مهيلاً ) * أي سائلاً قد أسيل ، يقال : تراب مهيل ومهيول أي مصبوب ومسيل الأكثر في اللغة مهيل ، وهو مثل قولك مكيل ومكيول ، ومدين ومديون ، وذلك أن الياء تحذف منه الضمة فتسكن ، والواو أيضاً ساكنة ، فتحذف الواو لالتقاء الساكنين ذكره الفراء والزجاج ، وإذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى يفرق تركيب أجزاء الجبال وينسفها نسفاً ويجعلها كالعهن المنفوش ، فعند ذلك تصير كالكثيب ، ثم إنه تعالى يحركها على ما قال : * ( ويوم نسير الجبال ) * ( الكهف : 47 ) وقال : * ( وهي تمر مر السحاب ) * ( النمل : 88 ) وقال : * ( وسيرت الجبال ) * ( النبأ : 20 ) فعند ذلك تصير مهيلاً ، فإن قيل لم لم يقل : وكانت الجبال كثباناً مهيلة ؟ قلنا : لأنها بأسرها تجتمع فتصير كثيباً واحداً مهيلاً . واعلم أنه تعالى لما خوف المكذبين أولي النعمة بأهوال القيامة خوفهم بعد ذلك بأهوال الدنيا فقال تعالى : * ( إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً ) * . واعلم أن الخطاب لأهل مكة والمقصود تهديدهم بالأخذ الوبيل ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : لم نكر الرسول ثم عرف ؟ الجواب : التقدير أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصاه فأخذناه أخذاً وبيلاً ، فأرسلنا إليكم أيضاً رسولاً فعصيتم ذلك الرسول ، فلا بد وأن نأخذكم أخذاً وبيلا . السؤال الثاني : هل يمكن التمسك بهذه الآية في إثبات أن القياس حجة ؟ والجواب : نعم لأن الكلام إنما ينتظم لو قسنا إحدى الصورتين على الأخرى ، فإن قيل : هب أن القياس في هذه الصورة حجة ، فلم قلتم : إنه في سائر الصور حجة ، وحينئذ يحتاج إلى قياس سائر القياسات على هذا القياس ، فيكون ذلك إثباتاً للقياس بالقياس ، وإنه غير جائز ؟ قلنا : لا نثبت سائر القياسات بالقياس على هذه الصورة ، وإلا لزم المحذور الذي ذكرتم ، بل وجه التمسك هو أن نقول : لولا أنه تمهد عندهم أن الشيئين اللذين يشتركان في مناط الحكم ظناً يجب اشتراكهما في الحكم ، وإلا لما أورد هذا الكلام في هذه الصورة ، وذلك لأن احتمال الفرق المرجوح قائم ههنا فإن لقائل أن يقول : لعلهم إنما استوجبوا الأخذ الوبيل بخصوصية حالة العصيان في تلك الصورة وتلك الخصوصية غير موجودة ههنا ، فلا يلزم حصول الأخذ الوبيل ههنا ، ثم إنه تعالى مع قيام هذا الاحتمال جزم