فخر الدين الرازي

170

تفسير الرازي

المسألة الأولى : وحَّد الرسول في قوله : * ( إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ) * ( الجن : 27 ) ثم جمع في قوله : * ( أن قد أبلغوا رسالات ربهم ) * ونظيره ما تقدم من قوله : * ( فإن له نار جهنم خالدين ) * ( الجن : 23 ) . المسألة الثانية : احتج من قال بحدوث علم الله تعالى بهذه الآية لأن معنى الآية ليعلم الله أن قد أبلغوا الرسالة ، ونظيره قوله تعالى : * ( حتى نعلم المجاهدين ) * ( محمد : 31 ) والجواب من وجهين الأول : قال قتادة ومقاتل : ليعلم محمد أن الرسل قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو الرسالة ، وعلى هذا ، اللام في قوله : * ( ليعلم ) * متعلق بمحذوف يدل عليه الكلام كأنه قيل : أخبرناه بحفظ الوحي ليعلم أن الرسل قبله كانوا على مثل حالته من التبليغ الحق ، ويجوز أن يكون المعنى ليعلم الرسول أن قد أبلغوا أي جبريل والملائكة الذين يبعثون إلى الرسل رسالات ربهم ، فلا يشك فيها ويعلم أنها حق من الله الثاني : وهو اختيار أكثر المحققين أن المعنى ليعلم الله أن قد أبلغ الأنبياء رسالات ربهم ، والعلم ههنا مثله في قوله : * ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) * ( آل عمران : 142 ) والمعنى ليبلغوا رسالات ربهم فيعلم ذلك منهم . المسألة الثالثة : قرىء * ( ليعلم ) * على البناء للمفعول . أما قوله : * ( وأحاط بما لديهم ) * فهو يدل على كونه تعالى عالماً بالجزئيات ، وأما قوله : * ( وأحصى كل شيء عدداً ) * فهو يدل على كونه عالماً بجميع الموجودات ، فإن قيل : إحصاء العدد إنما يكون في المتناهي ، وقوله : * ( كل شيء ) * يدل على كونه غير متناه ، فلزم وقوع التناقض في الآية ، قلنا : لا شك أن إحصاء العدد إنما يكون في المتناهي ، فأما لفظة * ( كل شيء ) * فإنها لا تدل على كونه غير متناه ، لأن الشيء عندنا هو الموجودات ، والموجودات متناهية في العدد ، وهذه الآية أحد ما يحتج به على أن المعدوم ليس بشيء ، وذلك لأن المعدوم لو كان شيئاً ، لكانت الأشياء غير متناهية ، وقوله : * ( وأحصى كل شيء عدداً ) * يقتضي كون تلك المحصيات متناهية ، فيلزم الجمع بين كونها متناهية وغير متناهية وذلك محال ، فوجب القطع بأن المعدوم ليس بشيء حتى يندفع هذا التناقض . والله سبحانه وتعالى أعلم ، والحمد لله رب العالمين ، وصلاته وسلامه على سيد المرسلين ، وخاتم النبيين محمد النبي وآله وصحبه أجمعين .