فخر الدين الرازي

164

تفسير الرازي

الإنس والجن ، وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي جاء به ويطفئوا نور الله ، فأبى الله إلا أن ينصره ويظهره على من عاداه ، وأما على قول من قال : إنه من كلام الجن ، فالوجهان أيضاً عائدان فيه ، وقوله : * ( لبداً ) * فهو جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض وارتكم بعضه على بعض ، وكل شيء ألصقته بشيء إلصاقاً شديداً فقد لبدته ، ومنه اشتقاق هذه اللبود التي تفرش ويقال : لبدة الأسد لما يتلبد من الشعر بين كتفيه ، ومنه قول زهير : ( لدى أسد شاكي السلاح مقذف ) * له لبد أظفاره لم تقلم وقرئ : * ( لبداً ) * بضم اللام واللبدة في معنى اللبدة ، وقرئ * ( لبداً ) * جمع لابد كسُجِّد وساجد . وقرئ أيضاً : * ( لبداً ) * بضم اللام والباء جمع لبود كصبر جمع صبور ، فإن قيل : لم سمي محمداً بعبد الله ، وما ذكره برسول الله أو نبي الله ؟ قلنا : لأنه إن كان هذا الكلام من جملة الموحى ، فاللائق بتواضع الرسول أن يذكر نفسه بالعبودية ، وإن كان من كلام الجن كان المعنى أن عبد الله لما اشتغل بعبودية الله ، فهؤلاء الكفار لم اجتمعوا ولم حاولوا منعه منه ، مع أن ذلك هو الموافق لقانون العقل ؟ . * ( قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّى وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ) * . قرأ العامة قال على الغيبة وقرأ عاصم وحمزة ، * ( قل ) * حتى يكون نظيراً لما بعده ، وهو قوله : * ( قل إني لا أملك ) * ( الجن : 21 ) * ( قل إني لن يجيرني ) * ( الجن : 22 ) قال مقاتل : إن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : " إنك جئت بأمر عظيم وقد عاديت الناس كلهم ، فارجع عن هذا " فأنزل الله : * ( قل إنما ادعوا ربي ) * وهذا حجة لعاصم وحمزة ، ومن قرأ * ( قال ) * حمل ذلك على أن القوم لما قالوا ذلك ، أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : * ( إنما أدعو ربي ) * فحكى الله ذلك عنه بقوله * ( قال ) * أو يكون ذاك من بقية حكاية الجن أحوال الرسول لقومهم . * ( قُلْ إِنِّى لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً ) * . إما أن يفسر الرشد بالنفع حتى يكون تقدير الكلام : لا أملك لكم غياً ولا رشداً ، ويدل عليه قراءة أبي ( غياً ولا رشداً ) ، ومعنى الكلام أن النافع والضار ، والمرشد والمغوي هو الله ، وإن أحداً من الخلق لا قدرة له عليه . * ( قُلْ إِنِّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً ) * . قوله تعالى : * ( قل إني لن يجيرني من الله أحداً ) * قال مقاتل : إنهم قالوا : اترك ما تدعوا إليه ونحن نجيرك ، فقال الله له : * ( قل إني لن يجيرني من الله أحد ) * . ثم قال تعالى : * ( ولن أجد من دونه ملتحداً ) * أي ملجأ وحرزاً ، قال المبرد : * ( ملتحداً ) * مثل قولك منعرجاً ، والتحد معناه في اللغة مال ، فالملتحد المدخل من الأرض مثل السرب الذاهب في الأرض .