فخر الدين الرازي
165
تفسير الرازي
* ( إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ) * . قوله تعالى : * ( إلا بلاغاً من الله ورسالاته ) * ذكروا في هذا الاستثناء وجوهاً أحدها : أنه استثناء من قوله : * ( لا أملك ) * ( الجن : 21 ) أي لا أملك لكم ضراً ولا رشداً إلا بلاغاً من الله ، وقوله : * ( قل إني لن يجيرني ) * ( الجن : 22 ) جملة معترضة وقعت في البين لتأكيد نفي الاستطاعة عنه وبيان عجزه على معنى : أنه تعالى إن أراد به سوءاً لم يقدر أحد أن يجيره منه ، وهذا قول الفراء . وثانيها : وهو قول الزجاج : أنه نصب على البدل من قوله : * ( ملتحداً ) * ( الجن : 22 ) والمعنى : ولن أجد من دونه ملجأ إلا بلاغاً ، أي لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به ، وأقول هذا الاستثناء منقطع لأنه تعالى لما لم يقل ولن أجد ملتحداً بل قال : * ( ولن أجد من دونه ملتحداً ) * ، والبلاغ من الله لا يكون داخلاً تحت قوله : * ( من دونه ملتحداً ) * لأن البلاغ من الله لا يكون من دون الله ، بل يكون من الله وبإعانته وتوفيقه ثالثها : قال بعضهم : ( إلا ) معناه إن ( لا ) ومعناه : إن لا أبلغ بلاغاً كقولك : ( إلا ) قياماً فقعوداً ، والمعنى : إن لا أبلغ لم أجد ملتحداً ، فإن قيل : المشهور أنه يقال بلغ عنه قال عليه السلام : " بلغوا عني ، بلغوا عني " فلم قال ههنا : * ( بلاغاً من الله ) * ؟ قلنا : ( من ) ليست ( بصفة للتبلغ ) إنما هي بمنزلة ( من ) في قوله : * ( براءة من الله ) * بمعنى بلاغاً كائناً من الله . أما قوله تعالى : * ( ورسالاته ) * فهو عطف على * ( بلاغاً ) * كأنه قال : لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات ، والمعنى إلا أن أبلغ عن الله فأقول : قال الله كذا ناسباً القول إليه وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها من غير زيادة ولا نقصان . قوله تعالى : * ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ) * قال الواحدي إن مكسورة الهمزة لأن ما بعد فاء الجزاء موضع ابتداء ولذلك حمل سيبويه قوله : * ( ومن عاد فينتقم الله منه ) * ( المائدة : 95 ) * ( ومن كفر فأمتعه ) * ( البقرة : 126 ) * ( فمن يؤمن بربه فلا يخاف ) * ( الجن : 13 ) على أن المبتدأ فيها مضمر وقال صاحب " الكشاف " وقرئ : * ( فأن له نار جهنم ) * على تقدير فجزاؤه أن له نار جهنم كقولك : * ( فأن لله خمسه ) * ( الأنفال : 41 ) أي فحكمه أن لله خمسه . ثم قال تعالى : * ( خالدين فيها أبداً ) * حملاً على معنى الجمع في ( من ) وفي الآية مسألتان : المسألة الأولى : استدل جمهور المعتزلة بهذه الآية على أن فساق أهل الصلاة مخلدون في النار وأن هذا العموم يشملهم كشموله الكفار ، قالوا : وهذا الوعيد مشروط بشرط أن لا يكون هناك توبة ولا طاعة أعظم منها ، قالوا : وهذا العموم أقوى في الدلالة على هذا المطلوب من سائر العمومات لأن سائر العمومات ما جاء فيها قوله : * ( أبداً ) * فالمخالف يحمل الخلود على المكث الطويل ، أما ههنا ( فقد ) جاء لفظ الأبد فيكون ذلك صريحاً في إسقاط الاحتمال الذي ذكره المخالف والجواب : أنا بينا في سورة البقرة وجوه الأجوبة على التمسك بهذه العمومات ، ونزيد ههنا وجوهاً أحدها : أن تخصيص