فخر الدين الرازي
139
تفسير الرازي
المنقولة بالتواتر وهذا يفضي إلى القدح في القرآن ، فإنه لا لفظ فيه إلا ويمكن جعل نفيه إثباتاً وإثباته نفياً بهذا الطريق الوجه الثاني : ما ذكره صاحب " الكشاف " وهو أن المعنى : مالكم لا تأملون لله توقيراً أي تعظيماً ، والمعنى مالكم لا تكونوا على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم و * ( لله ) * بيان للموقر ، ولو تأخر لكان صلة للوقار . وقوله تعالى : * ( وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ) * . في موضع الحال كأنه قال : مالكم لا تؤمنون بالله ، والحال هذه وهي حال موجبة للإيمان به * ( وقد خلقكم أطواراً ) * أي تارات خلقكم أولاً تراباً ، ثم خلقكم نطفاً ، ثم خلقكم علقاً ، ثم خلقكم مضغاً ، ثم خلقكم عظاماً ولحماً ، ثم أنشأكم خلقاً آخر ، وعندي فيه وجه ثالث : وهو أن القوم كانوا يبالغون في الاستخفاف بنوح عليه السلام فأمرهم الله تعالى بتوقيره وترك الاستخفاف به ، فكأنه قال لهم : إنكم إذا وقرتم نوحاً وتركتم الاستخفاف به كان ذلك لأجل الله ، فما لكم لا ترجون وقاراً وتأتون به لأجل الله ولأجل أمره وطاعته ، فإن كل ما يأتي به الإنسان لأجل الله ، فإنه لا بد وأن يرجوا منه خيراً ووجه رابع : وهو أن الوقار وهو الثبات من وقر إذا ثبت واستقر ، فكأنه قال : * ( مالكم ) * وعند هذا تم الكلام ، ثم قال على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار * ( لا ترجون لله وقاراً ) * ( الجن : 13 ) أي لا ترجون لله ثباتاً وبقاء ، فإنكم لو رجوتم ثباته وبقاءه لخفتموه ، ولما أقدمتم على الاستخفاف برسله وأوامره ، والمراد من قوله : * ( ترجون ) * أي تعتقدون لأن الراجي للشيء معتقد له . واعلم أنه لما أمر في هذه الآية بتعظيم الله استدل على التوحيد بوجوه من الدلائل : الأول : قوله : * ( وقد خلقكم أطواراً ) * وفيه وجهان : الأول : قال الليث : الطورة التارة يعني حالاً بعد حال كما ذكرنا أنه كان نطفة ، ثم علقة إلى آخر التارات الثاني : قال ابن الأنباري : الطور الحال ، والمعنى خلقكم أصنافاً مختلفين لا يشبه بعضكم بعضاً ، ولما ذكر هذا الدليل من الأنفس على التوحيد ، أتبعه بذكر دليل التوحيد من الآفاق على العادة المعهودة في كل القرآن . . الدليل الثاني : على التوحيد قوله تعالى : * ( أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً ) * . واعلم أنه تعالى تارة يبدأ بدلائل الأنفس ، وبعدها بدلائل الآفاق كما في هذه الآية ، وذلك لأن نفس الإنسان أقرب الأشياء إليه ، فلا جرم بدأ بالأقرب ، وتارة يبدأ بدلائل الآفاق ، ثم بدلائل الأنفس إما لأن دلائل الآفاق أبهر وأعظم ، فوقعت البداية بها لهذا السبب ، أو لأجل