فخر الدين الرازي

140

تفسير الرازي

أن دلائل الأنفس حاضرة ، لا حاجة بالعاقل إلى التأمل فيها ، إنما الذي يحتاج إلى التأمل فيه دلائل الآفاق ، لأن الشبه فيها أكثر ، فلا جرم تقع البداية بها ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : قوله : * ( سبع سماوات طباقاً ) * يقتضي كون بعضها منطبقاً على البعض ، وهذا يقتضي أن لا يكون بينها فرج ، فالملائكة كيف يسكنون فيها ؟ الجواب : الملائكة أرواح فلعل المراد من كونها طباقاً كونها متوازية لا أنها متماسة . السؤال الثاني : كيف قال : * ( وجعل القمر فيهن نوراً ) * والقمر ليس فيها بأسرها بل في السماء الدنيا ؟ والجواب : هذا كما يقال السلطان في العراق ليس المراد أن ذاته حاصلة في جميع أحياز العراق بل إن ذاته في حيز من جملة أحياز العراق فكذا ههنا . السؤال الثالث : السراج ضوءه عرضي وضوء القمر عرضي متبدل فتشبيه القمر بالسراج أولى من تشبيه الشمس به الجواب : الليل عبارة عن ظل الأرض والشمس لما كانت سبباً لزوال ظل الأرض كانت شبيهة بالسراج ، وأيضاً فالسراج له ضوء والضوء أقوى من النور فجعل الأضعف للقمر والأقوى للشمس ، ومنه قوله تعالى : * ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً ) * ( يونس : 5 ) . الدليل الثالث : على التوحيد قوله تعالى : * ( وَاللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ الاَْرْضِ نَبَاتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً ) * . واعلم أنه تعالى رجع ههنا إلى دلائل الأنفس وهو كالتفسير لقوله : * ( خلقكم أطواراً ) * ( نوح : 14 ) فإنه بين أنه تعالى خلقهم من الأرض ثم يردهم إليها ثم يخرجهم منها مرة أخرى ، أما قوله : * ( أنبتكم من الأرض نباتاً ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في هذه الآية وجهان أحدهما : معنى قوله : * ( أنبتكم من الأرض ) * أي أنبت أباكم من الأرض كما قال : * ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ) * ( آل عمران : 59 ) . والثاني : أنه تعالى أنبت الكل من الأرض لأنه تعالى إنما يخلقنا من النطف وهي متولدة من الأغذية المتولدة من النبات المتولد من الأرض . المسألة الثانية : كان ينبغي أن يقال : أنبتكم إنباتاً إلا أنه لم يقل ذلك بل قال : أنبتكم نباتاً ، والتقدير أنبتكم فنبتم نباتاً ، وفيه دقيقة لطيفة : وهي أنه لو قال : أنبتكم إنباتاً كان المعنى أنبتكم إنباتاً عجيباً غريباً ، ولما قال : أنبتكم نباتاً كان المعنى أنبتكم فنبتم نباتاً عجيباً ، وهذا الثاني أولى لأن الإنبات صفة لله تعالى وصفة الله غير محسوسة لنا ، فلا نعرف أن ذلك الإنبات إنبات عجيب كامل إلا