فخر الدين الرازي

138

تفسير الرازي

عصيناه ، فقال نوح عليه السلام : إنكم وإن كنتم عصيتموه ولكن استغفروه من تلك الذنوب ، فإنه سبحانه كان غفاراً . السؤال الثاني : لم قال : * ( إنه كان غفاراً ) * ولم يقل : إنه غفار ؟ قلنا المراد : إنه كان غفاراً في حق كل من استغفروه كأنه يقول : لا تظنوا أن غفاريته إنما حدثت الآن ، بل هو أبداً هكذا كان ، فكأن هذا هو حرفته وصنعته . وقوله تعالى : * ( يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مُدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً ) * . واعلم أن الخلق مجبولون على محبة الخيرات العاجلة ، ولذلك قال تعالى : * ( وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب ) * فلا جرم أعلمهم الله تعالى ههنا أن إيمانهم بالله يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة الخصب والغنى في الدنيا . والأشياء التي وعدهم من منافع الدنيا في هذه الآية خمسة أولها : قوله : * ( يرسل السماء عليكم مدراراً ) * وفي السماء وجوه : أحدها : ( أن ) المطر منها ينزل إلى السحاب وثانيها : أن يراد بالسماء السحاب وثالثها : أن يراد بالسماء المطر من قوله : إذا نزل السماء بأرض قوم * ( رعيناه وإن كانوا غضابا ) والمدرار الكثير الدرور ، ومفعال مما يستوي فيه المذكر والمؤنث ، كقولهم : رجل أو امرأة معطار ومتفال وثانيها : قوله : * ( ويمددكم بأموال ) * وهذا لا يختص بنوع واحد من المال بل يعم الكل وثالثها : قوله : * ( وبنين ) * ولا شك أن ذلك مما يميل الطبع إليه . ورابعها : قوله : * ( ويجعل لكم جنات ) * أي بساتين وخامسها : قوله : * ( ويجعل لكم أنهاراً ) * . ثم قال : * ( مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ) * . وفيه قولان : الأول : أن الرجاء ههنا بمعنى الخوف ومنه قول الهذلي : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها والوقار العظمة والتوقير التعظيم ، ومنه قوله تعالى : * ( وتوقروه ) * بمعنى ما بالكم لا تخافون لله عظمة . وهذا القول عندي غير جائز ، لأن الرجاء ضد الخوف في اللغة المتواترة الظاهرة ، فلو قلنا : إن لفظة الرجاء في اللغة موضوعة بمعنى الخوف لكان ذلك ترجيحاً للرواية الثابتة بالآحاد على الرواية