فخر الدين الرازي

14

تفسير الرازي

الثاني : المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم ، فما معنى قوله تعالى : * ( آمنوا ثم كفروا ) * ؟ نقول : قال في " الكشاف " ثلاثة أوجه أحدها : * ( آمنوا ) * نطقوا بكلمة الشهادة ، وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام * ( ثم كفروا ) * ثم ظهر كفرهم بعد ذلك وثانيها : * ( آمنوا ) * نطقوا بالإيمان عند المؤمنين * ( ثم كفروا ) * نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام كقوله تعالى : * ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ) * وثالثها : أن يراد أهل الذمة منهم . الثالث : الطبع على القلوب لا يكون إلا من الله تعالى ، ولما طبع الله على قلوبهم لا يمكنهم أن يتدبروا ويستدلوا بالدلائل ، ولو كان كذلك لكان هذا حجة لهم على الله تعالى ، فيقولون : إعراضنا عن الحق لغفلتنا ، وغفلتنا بسبب أنه تعالى طبع على قلوبنا ، فنقول : هذا الطبع من الله تعالى لسوء أفعالهم ، وقصدهم الإعراض عن الحق ، فكأنه تعالى تركهم في أنفسهم الجاهلة وأهوائهم الباطلة . ثم قال تعالى : * ( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فاَحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ * سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) * . اعلم أن قوله تعالى : * ( وإذا رأيتهم ) * يعني عبد الله بن أبي ، ومغيث بن قيس ، وجد بن قيس ، كانت لهم أجسام ومنظر ، تعجبك أجسامهم لحسنها وجمالها ، وكان عبد الله بن أبي جسيماً صبيحاً فصيحاً ، وإذا قال : سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله ، وهو قوله تعالى : * ( وإن يقولوا تسمع لقولهم ) * أي ويقولوا : إنك لرسول الله تسمع لقولهم ، وقرئ يسمع على البناء للمفعول ، ثم شبههم بالخشب المسندة ، وفي الخشب التخفيف كبدنة وبدن وأسد وأسد ، والتثقيل كذلك كثمرة وثمر ، وخشبة