فخر الدين الرازي
15
تفسير الرازي
وخشب ، ومدرة ومدر . وهي قراءة ابن عباس ، والتثقيل لغة أهل الحجاز ، والخشب لا تعقل ولا تفهم ، فكذلك أهل النفاق كأنهم في ترك التفهم ، والاستبصار بمنزلة الخشب . وأما المسندة يقال : سند إلى شيء ، أي مال إليه ، وأسنده إلى الشيء ، أي أماله فهو مسند ، والتشديد للمبالغة ، وإنما وصف الخشب بها ، لأنها تشبه الأشجار القائمة التي تنمو وتثمر بوجه ما ، ثم نسبهم إلى الجبن وعابهم به ، فقال : * ( يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو ) * وقال مقاتل : إذا نادى مناد في العسكر ، وانفلتت دابة ، أو نشدت ضالة مثلاً ظنوا أنهم يرادون بذلك لما في قلوبهم من الرعب ، وذلك لأنهم على وجل من أن يهتك الله أستارهم ، ويكشف أسرارهم ، يتوقعون الإيقاع بهم ساعة فساعة ، ثم أعلم ( الله ) رسوله بعداوتهم فقال : * ( هم العدو فاحذرهم ) * أن تأمنهم على السر ولا تلتفت إلى ظاهرهم فإنهم الكاملون في العداوة بالنسبة إلى غيرهم وقوله تعالى : * ( قاتلهم الله أنى يؤفكون ) * مفسر وهو دعاء عليهم وطلب من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم وتعليم للمؤمنين أن يدعوا بذلك ، و * ( أنى يؤفكون ) * أي يعدلون عن الحق تعجباً من جهلهم وضلالتهم وظنهم الفاسد أنهم على الحق . وقوله تعالى : * ( وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ) * قال الكلبي : لما نزل القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم بصفة المنافقين مشى إليه عشائرهم من المؤمنين وقالوا : لهم ويلكم افتضحتم بالنفاق وأهلكتم أنفسكم فأتوا رسول الله وتوبوا إليه من النفاق واسألوه أن يستغفر لكم ، فأبوا ذلك وزهدوا في الاستغفار فنزلت ، وقال ابن عباس لما رجع عبد الله بن أبي من أحد بكثير من الناس مقته المسلمون وعنفوه وأسمعوه المكروه فقال له بنو أبيه : لو أتيت رسول صلى الله عليه وسلم حتى يستغفر لك ويرضى عنك ، فقال : لا أذهب إليه ، ولا أريد أن يستغفر لي ، وجعل يلوي رأسه فنزلت . وعند الأكثرين ، إنما دعى إلى الاستغفار لأنه قال : * ( ليخرجن الأعز منها الأذل ) * ( المنافقون : 8 ) وقال : * ( لا تنفقوا على من عند رسول الله ) * ( المنافقون : 7 ) فقيل له : تعال يستغفر لك رسول الله فقال : ماذا قلت : فذلك قوله تعالى : * ( لووا رؤوسهم ) * وقرئ : * ( لووا ) * بالتخفيف والتشديد للكثرة والكناية قد تجعل جمعاً والمقصود واحد وهو كثير في أشعار العرب قال جرير : لا بارك الله فيمن كان يحسبكم * إلا على العهد حتى كان ما كانا وإنما خاطب بهذا امرأة وقوله تعالى : * ( ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون ) * أي عن استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذكر تعالى أن استغفاره لا ينفعهم فقال : * ( سواء عليهم استغفرت لهم ) * قال قتادة : نزلت هذه الآية بعد قوله : * ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ) * وذلك لأنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خيرني ربي فلأزيدنهم على السبعين " فأنزل الله تعالى : * ( لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين ) * قال ابن عباس : المنافقين ، وقال قوم : فيه بيان أن الله تعالى يملك هداية وراء هداية البيان ، وهي خلق فعل الاهتداء فيمن علم منه ذلك ، وقيل : معناه لا يهديهم لفسقهم وقالت المعتزلة : لا يسميهم المهتدين إذا فسقوا وضلوا وفي الآية مباحث :