فخر الدين الرازي
117
تفسير الرازي
على الفرق بأن ههنا لما قال : * ( إنه لقول رسول كريم ) * ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر ، ولا كاهن ، والقوم ما كانوا يصفون جبريل عليه السلام بالشعر والكهانة ، بل كانوا يصفون محمداً بهذين الوصفين . وأما في سورة : * ( إذا الشمس كورت ) * لما قال : * ( إنه لقول رسول كريم ) * ثم قال بعده : * ( وما هو بقول شيطان رجيم ) * ( التكوير : 25 ) كان المعنى : إنه قول ملك كريم ، لا قول شيطان رجيم ، فصح أن المراد من الرسول الكريم ههنا هو محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي تلك السورة هو جبريل عليه السلام ، وعند هذا يتوجه السؤال : أن الأمة مجمعة على أن القرآن كلام الله تعالى ، وحينئذ يلزم أن يكون الكلام الواحد كلاماً لله تعالى ، ولجبريل ولمحمد ، وهذا غير معقول والجواب : أنه يكفي في صدق الإضافة أدنى سبب ، فهو كلام الله تعالى ، بمعنى أنه تعالى هو الذي أظهره في اللوح المحفوظ ، وهو الذي رتبه ونظمه ، وهو كلام جبريل عليه السلام ، بمعنى أنه هو الذي أنزله من السماوات إلى الأرض ، وهو كلام محمد ، بمعنى أنه هو الذي أظهره للخلق ، ودعا الناس إلى الإيمان به ، وجعله حجة لنبوته . ثم قال تعالى : * ( وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ) * . وههنا مسائل : المسألة الأولى : قرأ الجمهور : تؤمنون وتذكرون بالتاء المنقوطة من فوق على الخطاب إلا ابن كثير ، فإنه قرأهما بالياء على المغايبة ، فمن قرأ على الخطاب ، فهو عطف على قوله : * ( بما تبصرون ومالا تبصرون ) * ( الحاقة : 38 ، 39 ) ومن قرأ على المغايبة سلك فيه مسلك الالتفات . المسألة الثانية : قالوا : لفظة ما في قوله : * ( قليلاً ما تؤمنون . . . قليلاً ما تذكرون ) * لغو وهي مؤكدة ، وفي قوله : * ( قليلاً ) * وجهان الأول : قال مقاتل : يعني بالقليل أنهم لا يصدقون بأن القرآن من الله ، والمعنى لا يؤمنون أصلاً ، والعرب يقولون : قلما يأتينا يريدون لا يأتينا الثاني : أنهم قد يؤمنون في قلوبهم ، إلا أنهم يرجعون عنه سريعاً ولا يتمون الاستدلال ، ألا ترى إلى قوله : * ( إنه فكر وقدر ) * إلا أنه في آخر الأمر قال : * ( إن هذا إلا سحر يؤثر ) * ( المدثر : 24 ) . المسألة الثالثة : ذكر في نفي الشاعرية * ( قليلاً ما تؤمنون ) * وفي نفي الكاهنية * ( ما تذكرون ) * والسبب فيه كأنه تعالى قال : ليس هذا القرآن قولاً من رجل شاعر ، لأن هذا الوصف مباين لصنوف الشعر كلها إلا أنكم لا تؤمنون ، أي لا تقصدون الإيمان ، فلذلك تعرضون عن التدبر ، ولو قصدتم الإيمان لعلمتم كذب قولكم : إنه شاعر ، لمفارقة هذا التركيب ضروب الشعر ، ولا