فخر الدين الرازي
118
تفسير الرازي
أيضاً بقول كاهن ، لأنه وارد بسبب الشياطين وشتمهم ، فلا يمكن أن يكون ذلك بإلهام الشياطين ، إلا أنكم لا تتذكرون كيفية نظم القرآن ، واشتماله على شتم الشياطين ، فلهذا السبب تقولون : إنه من باب الكهانة . قوله تعالى : * ( تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ) * . اعلم أن نظير هذه الآية قوله في الشعراء : * ( إنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين ) * ( الشعراء : 192 - 194 ) فهو كلام رب العالمين لأنه تنزيله ، وهو قول جبريل لأنه نزل به ، وهو قول محمد لأنه أنذر الخلق به ، فههنا أيضاً لما قال فيما تقدم : * ( إنه لقول رسول كريم ) * ( الحاقة : 40 ) أتبعه بقوله : * ( تنزيل من رب العالمين ) * حتى يزول الإشكال ، وقرأ أبو السمال : تنزيلاً ، أي نزل تنزيلاً . ثم قال تعالى : * ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاَْقَاوِيلِ ) * . قرىء : * ( ولو تقول ) * على البناء للمفعول ، التقول افتعال القول ، لأن فيه تكلفاً من المفتعل ، وسمي الأقوال المنقولة أقاويل تحقيراً لها ، كقولك الأعاجيب والأضاحيك ، كأنها جمع أفعولة من القول ، والمعنى ولو نسب إلينا قولاً لم نقله . ثم قال تعالى : * ( لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ) * . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في الآية وجوه الأول : معناه لأخذنا بيده ، ثم لضربنا رقبته ، وهذا ذكره على سبيل التمثيل بما يفعله الملوك بمن يتكذب عليهم ، فإنهم لا يمهلونه ، بل يضربون رقبته في الحال ، وإنما خص اليمين بالذكر ، لأن القتال إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخذ بيساره ، وإذا أراد أن يوقعه في جيده وأن يلحقه بالسيف ، وهو أشد على المعمول به ذلك العمل لنظره إلى السيف أخذ بيمينه ، ومعناه : لأخذنا بيمينه ، كما أن قوله : * ( لقطعنا منه الوتين ) * لقطعنا وتينه وهذا تفسير بين وهو منقول عن الحسن البصري القول الثاني : أن اليمين بمعنى القوة والقدرة وهو قول الفراء والمبرد والزجاج ، وأنشدوا قول الشماخ : إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين والمعنى لأخذ منه اليمين ، أي سلبنا عنه القوة ، والباء على هذا التقدير صلة زائدة ، قال ابن قتيبة : وإنما قام اليمين مقام القوة ، لأن قوة كل شيء في ميامنه والقول الثالث : قال مقاتل : * ( لأخذنا منه باليمين ) * ( الصافات : 28 ) يعني انتقمنا منه بالحق ، واليمين على هذا القول بمعنى الحق ، كقوله تعالى : * ( إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ) * أي من قبل الحق .