فخر الدين الرازي

7

تفسير الرازي

حتى زلت عنه وأزللتك حتى زللت ومعناهما واحد ، أي : حولتك عنه ، وقال بعض العلماء : أزلهما الشيطان أي استنزلهما ، فهو من قولك زل في دينه إذا أخطأ وأزله غيره إذا سبب له ما يزل من أجله في دينه أو دنياه . واعلم أن في الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلف الناس في عصمة الأنبياء عليهم السلام وضبط القول فيه أن يقال : الاختلاف في هذا الباب يرجع إلى أقسام أربعة : أحدها : ما يقع في باب الاعتقاد ، وثانيها : ما يقع في باب التبليغ ، وثالثها : ما يقع في باب الأحكام والفتيا ، ورابعها : ما يقع في أفعالهم وسيرتهم . أما اعتقادهم الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عند أكثر الأمة . وقالت الفضيلية من الخوارج : إنهم قد وقعت منهم الذنوب ، والذنب عندهم كفر وشرك ، فلا جرم . قالوا بوقوع الكفر منهم ، وأجازت الإمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية . أما النوع الثاني : وهو ما يتعلق بالتبليغ ، فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب والتحريف ، فيما يتعلق بالتبليغ ، وإلا لارتفع الوثوق بالأداء ، واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمداً كما لا يجوز أيضاً سهواً ، ومن الناس من جوز ذلك سهواً ، قالوا : لأن الاحتراز عنه غير ممكن . وأما النوع الثالث : وهو ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيه على سبيل التعمد ، وأما على سبيل السهو فجوزه بعضهم وأباه آخرون . وأما النوع الرابع : وهو الذي يقع في أفعالهم ، فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال . أحدها : قول من جوز عليهم الكبائر على جهة العمد وهو قول الحشوية . والثاني : قول من لا يجوز عليهم الكبائر لكنه يجوز عليهم الصغائر على جهة العمد إلا ما ينفر كالكذب والتطفيف وهذا قول أكثر المعتزلة . القول الثالث : أنه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا بكبيرة على جهة العمد البتة ، بل على جهة التأويل وهو قول الجبائي . القول الرابع : أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ ولكنهم مأخوذون بما يقع منهم على هذه الجهة وإن كان ذلك موضوعاً عن أمتهم وذلك لأن معرفتهم أقوى ودلائلهم أكثر ، وأنهم يقدرون من التحفظ على ما لا يقدر عليه غيرهم . القول الخامس : أنه لا يقع منهم الذنب لا الكبيرة ولا الصغيرة لا على سبيل القصد ولا على سبيل السهو ولا على سبيل التأويل والخطأ ، وهو مذهب الرافضة ، واختلف الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال : أحدها : قول من ذهب إلى أنهم معصومون من وقت مولدهم وهو قول الرافضة ، وثانيها : قول من ذهب إلى أن وقت عصمتهم وقت بلوغهم ولم يجوزوا منهم ارتكاب الكفر والكبيرة قبل النبوة ، وهو قول كثير من المعتزلة ، وثالثها : قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز وقت النبوة ، أما قبل النبوة فجائز ، وهو قول أكثر أصحابنا وقول أبي الهذيل وأبي علي من المعتزلة