فخر الدين الرازي
8
تفسير الرازي
والمختار عندنا أنه لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة البتة لا الكبيرة ولا الصغيرة ، ويدل عليه وجوه : أحدها : لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة وذلك غير جائز ، بيان الملازمة أن درجة الأنبياء كانت في غاية الجلال والشرف ، وكل من كان كذلك كان صدور الذنب عنه أفحش ألا ترى إلى قوله تعالى : * ( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ) * ، ( الأحزاب : 30 ) والمحصن يرجم وغيره يحد ، وحد العبد نصف حد الحر ، وأما أنه لا يجوز أن يكون النبي أقل حالاً من الأمة فذاك بالإجماع . وثانيها : أن بتقدير إقدامه على الفسق وجب أن لا يكون مقبول الشهادة لقوله تعالى : * ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) * ( الحجرات : 6 ) لكنه مقبول الشهادة ، وإلا كان أقل حالاً من عدول الأمة ، وكيف لا نقول ذلك وأنه لا معنى للنبوة والرسالة إلا أنه يشهد على الله تعالى بأنه شرع هذا الحكم وذاك ، وأيضاً فهو يوم القيامة شاهد على الكل لقوله : * ( لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ) * ( البقرة : 143 ) . وثالثها : أن بتقدير إقدامه على الكبيرة يجب زجره عنها ، فلم يكن إيذاؤه محرماً لكنه محرم لقوله تعالى : * ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ) * ( الأحزاب : 57 ) . ورابعها : أن محمداً صلى الله عليه وسلم لو أتى بالمعصية لوجب علينا الاقتداء به فيها لقوله تعالى : * ( فاتبعوني ) * فيفضي إلى الجمع بين الحرمة والوجوب وهو محال ، وإذا ثبت ذلك حق محمد صلى الله عليه وسلم ثبت أيضاً في سائر الأنبياء ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق . وخامسها : أنا نعلم ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح من نبي رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفة في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه : لا تفعل كذا فيقدم عليه ترجيحاً للذته غير ملتفت إلى نهي ربه ولا منزجر بوعيده . هذا معلوم القبح بالضرورة . وسادسها : أنه لو صدرت المعصية من الأنبياء لكانوا مستحقين للعذاب لقوله تعالى : * ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها ) * ( الجن : 23 ) ولا استحقوا اللعن لقوله : * ( ألا لعنة الله على الظالمين ) * ( هود : 18 ) وأجمعت الأمة على أن أحداً من الأنبياء لم يكن مستحقاً للعن ولا للعذاب فثبت أنه ما صدرت المعصية عنه . وسابعها : أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله : * ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ) * ( البقرة : 44 ) . وقال : * ( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ) * ( هود : 88 ) ، فما لا يلق بواحد من وعاظ الأمة كيف يجوز أن ينسب إلى الأنبياء عليهم السلام . وثامنها : قوله تعالى : * ( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ) * ( الأنبياء : 90 ) ، ولفظ الخيرات للعموم فيتناول الكل ويدخل فيه فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي ، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل ما ينبغي فعله وتاركين كل ما ينبغي تركه ، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم . وتاسعها : قوله تعالى : * ( وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ) * ( ص : 47 ) ، وهذا يتناول جميع الأفعال والتروك بدليل جواز الاستثناء فيقال : فلاناً من المصطفين الأخيار إلا في الفعلة الفلانية والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل تحته ، فثبت أنهم كانوا أخياراً في كل الأمور ، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم . وقال : * ( الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس ) * ( الحج : 75 ) ، * ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل