فخر الدين الرازي
239
تفسير الرازي
مولاهما إذ يجزع كل واحد أن يسبقه صاحبه فيحظى عند مولاه بمنزلة لا يحظى هو بها . وثالثها : قوله عليه السلام : " لا حسد إلا في اثنتين ، رجل آتاه الله مالاً فأنفقه في سبيل الله ، ورجل آتاه الله علماً فهو يعمل به ويعلمه الناس " . وهذا الحديث يدل على أن لفظ الحسد قد يطلق على المنافسة ، ثم نقول : المنافسة قد تكون واجبة ومندوبة ومباحة ، أما الواجبة فكما إذا كانت تلك النعمة نعمة دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة ، فههنا يجب عليه أن يكون له مثل ذلك ، لأنه إن لم يحب ذلك كان راضياً بالمعصية وذلك حرام ، وأما إن كانت تلك النعمة من الفضائل المندوبة كالإنفاق في سبيل الله والتشمير لتعليم الناس كانت المنافسة فيها مندوبة ، وأما إن كانت تلك النعمة من المباحات كانت المنافسة فيها من المباحات ، وبالجملة فالمذموم أن يحب زوالها عن الغير ، فأما أن يحب حصولها له وزوال النقصان عنه فهذا غير مذموم ، لكن ههنا دقيقة وهي أن زوال النقصان عنه بالنسبة إلى الغير له طريقان . أحدهما : أن يحصل له مثل ما حصل للغير . والثاني : أن يزول عن الغير ما لم يحصل له فإذا حصل اليأس عن أحد الطريقين فيكاد القلب لا ينفك عن شهوة الطريق الآخر ، فههنا إن وجد قلبه بحيث لو قدر على إزالة تلك الفضيلة عن تلك الشخص لأزالها ، فهو صاحب الحسد المذموم وإن كان يجد قلبه بحيث تردعه التقوى عن إزالة تلك النعمة عن الغير فالمرجو من الله تعالى أن يعفو عن ذلك ، ولعل هذا هو المراد من قوله عليه السلام : " ثلاث لا ينفك المؤمن منهن ، الحسد والظن والطيرة ، ثم قال : وله منهم مخرج إذا حسدت فلا تبغ " ، أي إن وجدت في قلبك شيئاً فلا تعمل به ، فهذا هو الكلام في حقيقة الحسد وكله من كلام الشيخ الغزالي رحمة الله عليه . المسألة الثالثة : في مراتب الحسد ، قال الغزالي رحمه الله هي أربعة . الأولى : أن يحب زوال تلك النعمة وإن كان ذلك لا يحصل له وهذا غاية الحسد . والثانية : أن يحب زوال تلك النعمة عنه إلا وذلك مثل رغبته في دار حسنة أو امرأة جملة أو ولاية نافذة نالها غيره وهو يحب أن تكون له ، فالمطلوب بالذات حصوله له ، فأما زواله عن غيره فمطلوب بالعرض . الثالثة : أن لا يشتهي عنها بل يشتهي لنفسه مثلها ، فإن عجز عن مثلها أحب زوالها لكي لا يظهر التفاوت بينهما . الرابعة : أن يشتهي لنفسه مثلها ، فإن لم يحصل فلا يحب زوالها ، وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا والمندوب إليه إن كان في الدين ، والثالثة : منها مذمومة وغير مذمومة ، والثانية : أخف من الثالثة ، والأول : مذموم محض قال تعالى : * ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) * ( النساء : 32 ) فتمنيه لمثل ذلك غير مذموم وأما تمنيه عين ذلك فهو مذموم . المسألة الرابعة : ذكر الشيخ الغزالي رحمة الله عليه للحسد سبعة أسباب : السبب الأول : العداوة والبغضاء ، فإن من آذاه إنسان أبغضه قلبه وغضب عليه ، وذلك