فخر الدين الرازي

240

تفسير الرازي

الغضب يولد الحقد والحقد يقتضي التشفي والانتقام ، فإن عجز المبغض عن التشفي بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان ، فمهما أصاب عدوه آفة وبلاء فرح ، ومهما أصابته نعمة ساءته ، وذلك لأنه ضد مراده ، فالحسد من لوازم البغض والعداوة ولا يفارقهما ، وأقصى الإمكان في هذا الباب أن لا يظهر تلك العداوة من نفسه وأن يكره تلك الحالة من نفسه ، فأما أن يبغض إنساناً ثم تستوي عنده مسرته ومساءته فهذا غير ممكن ، وهذا النوع من الحسد هو الذي وصف الله الكفار به ، إذ قال : * ( وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور ، إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ) * ( آل عمران : 119 ، 120 ) وكذا قال : * ( ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم ) * ( آل عمران : 118 ) . واعلم أن الحسد ربما أفضى إلى التنازع والتقاتل . السبب الثاني : التعزز ، فإن واحداً من أمثاله إذا نال منصباً عالياً ترفع عليه وهو لا يمكنه تحمل ذلك ، فيريد زوال ذلك المنصب عنه وليس من غرضه أن يتكبر ، بل غرضه أن يدفع كبره فإنه قد يرضى بمساواته ولكنه لا يرضى بترفعه عليه . السبب الثالث : أن يكون في طبيعته أن يستخدم غيره فيريد زوال النعمة من ذلك الغير ليقدر على ذلك الغرض ، ومن هذا الباب كان حسد أكثر الكفار للرسول عليه الصلاة والسلام إذ قالوا : كيف يتقدم علينا غلام يتيم وكيف نطأطئ له رؤوسنا ؟ فقالوا : ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) وقال تعالى يصف قول قريش : * ( أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ) * ( الأنعام : 53 ) كالاستحقار بهم والأنفة منهم . السبب الرابع : التعجب كما أخبر الله عن الأمم الماضية إذ قالوا : * ( ما أنتم إلا بشراً مثلنا ) * ( إبراهيم : 10 ) ، وقالوا : * ( أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ) * ( المؤمنون : 47 ) ، * ( ولئن أطعتم بشراً مثلكم إنكم إذاً لخاسرون ) * ( المؤمنون : 34 ) وقالوا متعجبين : * ( أبعث الله بشراً رسولاً ) * ( الإسراء : 94 ) وقالوا : * ( لولا نزل علينا الملائكة ) * ( الفرقان : 21 ) وقال : * ( أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ) * ( الأعراف : 63 ، 69 ) . السبب الخامس : الخوف من فوت المقاصد وذلك يختص بالمتزاحمين على مقصود واحد ، فإن كل واحد منهما يحسد صاحبه في كل نعمة تكون عوناً له في الانفراد بمقصوده ، ومن هذا الباب تحاسد الضرات في التزاحم على مقاصد الزوجية ، وتحاسد الأخوة في التزاحم على نيل المنزلة في قلوب الأبوين للتوصل إلى مقاصد المال والكرامة ، وكذلك تحاسد الواعظين المتزاحمين على أهل بلدة واحدة ، إذ كان غرضهما نيل المال والقبول عندهم . السبب السادس : حب الرياسة وطلب الجاه نفسه من غير توسل به إلى مقصوده ، وذلك كالرجل الذي يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون ، فإنه لو سمع بنظير له في أقصى العالم ساءه ذلك وأحب موته وزوال النعمة التي بها يشاركه في المنزلة من شجاعة أو علم أو زهد أو ثروة ويفرح بسبب تفرده .