فخر الدين الرازي
17
تفسير الرازي
وأخرج من الجنة وقيل له : * ( فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ) * ( الأعراف : 13 ) ، وقال أيضاً : * ( فأخرج منها فإنك رجيم ) * ( ص : 77 ( الحجر : 34 ) ، وإنما اهبط منها لأجل تكبره ، فزلة آدم عليه السلام إنما وقعت بعد ذلك بمدة طويلة ، ثم أمر بالهبوط بسبب الزلة ، فلما حصل هبوط إبليس قبل ذلك كيف يكون قوله : * ( اهبطوا ) * ، متناولاً له ؟ قلنا : إن الله تعالى لما أهبطه إلى الأرض فلعله عاد إلى السماء مر أخرى لأجل أن يوسوس إلى آدم وحواء فحين كان آدم وحواء في الجنة قال الله تعالى لهما : * ( اهبطا ) * ، فلما خرجا من الجنة واجتمع إبليس معهما خارج الجنة أمر الكل فقال : * ( اهبطوا ) * ومن الناس من قال ليس معنى قوله : * ( اهبطوا ) * أنه قال ذلك لهم دفعة واحدة ، بل قال ذلك لكل واحد منهم على حدة في وقت . الوجه الثاني : أن المراد آدم وحواء والحية وهذا ضعيف لأنه ثبت بالإجماع أن المكلفين هم الملائكة والجن والإنس ، ولقائل أن يمنع هذا الإجماع فإن من الناس من يقول قد يحصل في غيرهم جمع من المكلفين على ما قال تعالى : * ( كل قد علم صلاته وتسبيحه ) * ( النور : 41 ) ، وقال سليمان للهدهد : * ( لأعذبنه عذاباً شديداً ) * ( النمل : 21 ) . الثالث : المراد آدم وحواء وذريتهما لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الإنس كلهم ، والدليل عليه قوله : * ( اهبطوا بعضكم لبعض عدو . . . اهبطوا منها جميعاً ) * ( البقرة : 36 ، 38 ) ، ويدل عليه أيضاً قوله : * ( فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) * ( البقرة : 38 ، 39 ) . وهذا حكم يعم الناس كلهم ومعنى : * ( بعضكم لبعض عدو ) * ما عليه الناس من التعادي والتباغض وتضليل بعضهم لبعض ، واعلم أن هذا القول ضعيف لأن الذرية ما كانوا موجودين في ذلك الوقت فكيف يتناولهم الخطاب ؟ أما من زعم أن أقل الجمع اثنان فالسؤال زائل على قوله : المسألة الثالثة : اختلفوا في أن قوله : * ( اهبطوا ) * أمر أو إباحة ، والأشبه أنه أمر لأن فيه مشقة شديدة لأن مفارقة ما كانا فيه من الجنة إلى موضع لا تحصل المعيشة فيه إلا بالمشقة والكد من أشق التكاليف ، وإذا ثبت هذا بطل ما يظن أن ذلك عقوبة ، لأن التشديد في التكليف سبب للثواب ، فكيف يكون عقاباً مع ما فيه من النفع العظيم ؟ فإن قيل : ألستم تقولون في الحدود وكثير من الكفارات إنها عقوبات وإن كانت من باب التكاليف ، قلنا : أما الحدود فهي واقعة بالمحدود من فعل الغير ، فيجوز أن تكون عقاباً إذا كان الرجل مصراً ، وأما الكفارات فإنما يقال في بعضها إنه يجري مجرى العقوبات لأنها لا تثبت إلا مع المأثم . فأما أن تكون عقوبة مع كونها تعريضات للثواب العظيم فلا . المسألة الرابعة : أن قوله تعالى : * ( اهبطوا بعضكم لبعض عدو ) * ، أمر بالهبوط وليس أمراً بالعداوة ، لأن عداوة إبليس لآدم وحواء عليهما السلام بسبب الحسد والاستكبار عن السجود واختداعه إياهما حتى أخرجهما من الجنة وعداوته لذريتهما بإلقاء الوسوسة والدعوة إلى الكفر والمعصية ، وشئ من ذلك لا يجوز أن يكون مأموراً به ، فأما عداوة آدم لإبليس