فخر الدين الرازي

18

تفسير الرازي

فإنها مأمور بها لقوله تعالى : * ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً ) * ( فاطر : 6 ) وقال تعالى : * ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ) * ( الأعراف : 27 ) إذا ثبت هذا ظهر أن المراد من الآية اهبطوا من السماء وأنتم بعضكم لبعض عدو . المسألة الخامسة : المستقر قد يكون بمعنى الاستقرار كقوله تعالى : * ( إلى ربك يومئذ المستقر ) * ( القيامة : 12 ) ، وقد يكون بمعنى المكان الذي يستقر فيه كقوله تعالى : * ( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً ) * ( الفرقان : 24 ) ، وقال تعالى : * ( فمستقر ومستودع ) * ( الأنعام : 98 ) إذا عرفت هذا فنقول : الأكثرون حملوا قوله تعالى : * ( ولكم في الأرض مستقر ) * ( البقرة : 36 ) ( الأعراف : 24 ) ، على المكان ، والمعنى أنها مستقركم حالتي الحياة والموت ، وروى السدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : المستقر هو القبر ، أي قبوركم تكونون فيها . والأول أولى لأنه تعالى قدر المتاع وذلك لا يليق إلا بحال الحياة ، ولأنه تعالى خاطبهم بذلك عند الإهباط وذلك يقتضي حال الحياة ، واعلم أنه تعالى قال في سورة الأعراف في هذه القصة : * ( قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ، قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ) * ( الأعراف : 24 ، 25 ) ، فيجوز أن يكون قوله : * ( فيها تحيون ) * ، إلى آخر الكلام بياناً لقوله : * ( ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ) * ، ويجوز أن يكون زيادة على الأول . المسألة السادسة : اختلفوا في معنى الحين بعد اتفاقهم على أنه اسم للزمان والأولى أن يراد به الممتد من الزمان لأن الرجل يقول لصاحبه : ما رأيتك منذ حين إذا بعدت مشاهدته له ولا يقال ذلك مع قرب المشاهدة ، فلما كانت أعمار الناس طويلة وآجالهم عن أوائل حدوثهم متباعدة جاز أن يقول : * ( ومتاع إلى حين ) * : المسألة السابعة : اعلم أن في هذه الآيات تحذيراً عظيماً عن كل المعاصي من وجوه : أحدها : أن من تصور ما جرى على آدم عليه السلام بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة ، كان على وجل شديد من المعاصي ، قال الشاعر : يا ناظراً يرنو بعيني راقد * ومشاهداً للأمر غير مشاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى * درك الجنان ونيل فوز العابد أنسيت أن الله أخرج آدما * منها إلى الدنيا بذنب واحد وعن فتح الموصلي أنه قال : كنا قوماً من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا ، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها ، وثانيها : التحذير عن الاستكبار والحسد والحرص ، عن قتادة في قوله تعالى : * ( أبى واستكبر ) * ( البقرة : 34 ) ، قال حسد عدو الله إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة فقال : أنا ناري وهذا طيني ثم ألقى الحرص في قلب آدم حتى حمله على ارتكاب المنهي عنه ثم ألقى الحسد في قلب قابيل حتى قتل هابيل . وثالثها : أنه سبحانه وتعالى بين العداوة الشديدة بين ذرية آدم وإبليس ، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الحذر .