فخر الدين الرازي
145
تفسير الرازي
والخالدي ، ومن الناس من قطع بأنه لا وعيد لهم وهو قول شاذ ينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر ، والقول الثالث : أنا نقطع بأنه سبحانه وتعالى يعفو عن بعض المعاصي ولكنا نتوقف في حق كل أحد على التعيين أنه هل يعفو عنه أم لا ، ونقطع بأنه تعالى إذا عذب أحداً منهم مدة فإنه لا يعذبه أبداً ، بل يقطع عذابه ، وهذا قول أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والجماعة وأكثر الإمامية ، فيشتمل هذا البحث على مسألتين . إحداهما : في القطع بالوعيد ، والأخرى : في أنه لو ثبت الوعيد فهل يكون ذلك على نعت الدوام أم لا ؟ المسألة الأولى : في الوعيد ولنذكر دلائل المعتزلة أولاً . ثم دلائل المرجئة الخالصة ثم دلائل أصحابنا رحمهم الله . أما المعتزلة فإنهم عولوا على العمومات الواردة في هذا الباب وتلك العمومات على جهتين . بعضها وردت بصيغة " من " في معرض الشرط وبعضها وردت بصيغة الجمع ، أما النوع الأول فآيات ، إحداها : قوله تعالى في آية المواريث : * ( تلك حدود الله ) * ( البقرة : 187 ) إلى قوله : * ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها ) * ( النساء : 14 ) ، وقد علمنا أن من ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وارتكب شرب الخمر والزنا وقتل النفس المحرمة فهو متعد لحدود الله ، فيجب أن يكون من أهل العقاب ، وذلك لأن كلمة " من " في معرض الشرط تفيد العموم على ما ثبت في أصول الفقه ، فمتى حمل الخصم هذه الآية على الكافر دون المؤمن كان ذلك على خلاف الدليل ثم الذي يبطل قوله وجهان . أحدهما : أنه تعالى بين حدوده في المواريث ثم وعد من يطيعه في تلك الحدود وتوعد من يعصيه فيها ، ومن تمسك بالإيمان والتصديق به تعالى فهو أقرب إليها إلى الطاعة فيها ممن يكون منكراً لربوبيته ومكذباً لرسله وشرائعه ، فترغيبه في الطاعة فيها أخص ممن هو أقرب إلى الطاعة فيها وهو المؤمن ، ومتى كان المؤمن مراداً بأول الآية فكذلك بآخرها ، الثاني : أنه قال : * ( تلك حدود الله ) * ولا شبهة في أن المراد به الحدود المذكورة ، ثم علق بالطاعة فيها الوعد وبالمعصية فيها الوعيد ، فاقتضى سياق الآية أن الوعيد متعلق بالمعصية في هذه الحدود فقط دون أن يضم إلى ذلك تعدي حدود أخر ، ولهذا كان مزجوراً بهذا الوعيد في تعدي هذه الحدود فقط ولو لم يكن مراداً بهذا الوعيد لما كان مزجوراً به ، وإذا ثبت أن المؤمن مراد بها كالكافر بطل قول من يخصها بالكافر ، فإن قيل : إن قوله تعالى : * ( ويتعد حدوده ) * ( النساء : 14 ) جمع مضاف والجمع المضاف عندكم يفيد العموم ، كما لو قيل : ضربت عبيدي ، فإنه يكون ذلك شاملاً لجميع عبيده ، وإذا ثبت ذلك اختصت هذه الآية بمن تعدى جميع حدود الله وذلك هو الكافر لا محالة دون المؤمن ، قلنا : الأمر وإن كان كما ذكرتم نظراً إلى اللفظ لكنه وجدت قرائن تدل على أنه ليس المراد ههنا تعدي جميع الحدود ، أحدها : أنه تعالى قدم على قوله : * ( ويتعد حدوده ) * قوله تعالى : * ( تلك حدود الله ) * فانصرف قوله : * ( ويتعد حدوده ) * إلى تلك الحدود ، وثانيها : أن الأمة متفقون على أن المؤمن مزجور بهذه الآية عن المعاصي ، ولو صح ما ذكرتم