فخر الدين الرازي
146
تفسير الرازي
لكان المؤمن غير مزجور بها ، وثالثها : أنا لو حملنا الآية على تعدي جميع الحدود لم يكن للوعيد بها فائدة لأن أحداً من المكلفين لا يتعدى جميع حدود الله ، لأن في الحدود ما لا يمكن الجمع بينها في التعدي لتضادها ، فإنه لا يتمكن أحد من أن يعتقد في حالة واحدة مذهب الثنوية والنصرانية وليس يوجد في المكلفين من يعصي الله بجميع المعاصي ، ورابعها : قوله تعالى في قاتل المؤمن عمداً : * ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ) * ( النساء : 93 ) ، دلت الآية على أن ذلك جزاؤه ، فوجب أن يحصل له هذا الجزاء لقوله تعالى : * ( من يعمل سوءاً يجز به ) * ( النساء : 123 ) . وخامسها : قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا ) * إلى قوله : * ( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ) * ( الأنفال : 15 ، 16 ) . وسادسها : قوله تعالى : * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) * ( الزلزلة : 7 ، 8 ) . وسابعها : قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) * إلى قوله تعالى : * ( ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً ) * ( النساء : 29 ، 30 ) . وثامنها : قوله تعالى : * ( إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى ، ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى ) * ( طه : 74 ، 75 ) فبين تعالى أن الكافر والفاسق من أهل العقاب الدائم كما أن المؤمن من أهل الثواب . وتاسعها : قوله تعالى : * ( وقد خاب من حمل ظلماً ) * ( طه : 111 ) وهذا يوجب أن يكون الظالم من أهل الصلاة داخلاً تحت هذا الوعيد ، وعاشرها : قوله تعالى بعد تعداد المعاصي : * ( ومن يفعل ذلك يلق آثاماً ، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً ) * ( الفرقان : 68 ، 69 ) بين أن الفاسق كالكافر في أنه من أهل الخلود ، إلا من تاب من الفساق أو آمن من الكفار ، والحادية عشرة : قوله تعالى : * ( من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ، ومن جاء بالسيئة ) * ( النمل : 89 ، 90 ) الآية ، وهذا يدل على أن المعاصي كلها متوعد عليها كما أن الطاعات كلها موعود عليها ، والثانية عشرة : قوله تعالى : * ( فأما من طغى ، وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى ) * ( النازعات : 37 ) . والثالثة عشرة : قوله تعالى : * ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ) * ( الجن : 23 ) الآية ولم يفصل بين الكافر والفاسق ، والرابعة عشرة : قوله تعالى : * ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ) * الآية ، فحكي في أول الآية قول المرجئة من اليهود فقال : * ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ) * ( البقرة : 80 ) ثم إن الله كذبهم فيه ، ثم قال : * ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) * فهذه هي الآيات التي تمسكوا بها في المسألة لاشتمالها على صيغة " من " في معرض الشرط واستدلوا على أن هذه اللفظة تفيد العموم بوجوه . أحدها : أنها لو لم تكن موضوعة للعموم لكانت إما موضوعة للخصوص أو مشتركة بينهما والقسمان باطلان ، فوجب كونها موضوعة للعموم ، أما أنه لا يجوز أن تكون موضوعة للخصوص فلأنه لو كان كذلك لما حسن من المتكلم أن يعطي الجزاء لكل من أتى بالشرط ، لأن على هذا التقدير لا يكون ذلك الجزاء مرتباً على ذلك الشرط ، لكنهم أجمعوا على أنه إذا قال : من دخل داري أكرمته أنه يحسن أن يكرم كل من دخل داره فعلمنا أن هذه اللفظة ليست للخصوص ، وأما أنه لا يجوز أن