فخر الدين الرازي

142

تفسير الرازي

ليس بين كون الدنيا سبعة آلاف سنة وبين كون العذاب سبعة أيام مناسبة وملازمة البتة . وأما الثاني : فلأنه لا يلزم من كون المعصية مقدرة بسبعة أيام أن يكون عذابها كذلك . أما على قولنا فلأنه يحسن من الله كل شيء بحكم المالكية ، وأما عند المعتزلة فلأن العاصي يستحق على عصيانه العقاب الدائم ما لم توجد التوبة أو العفو ، فإن قيل : أليس أنه تعالى منع من استيفاء الزيادة فقال : * ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * ( الشورى : 40 ) فوجب أن لا يزيد العقاب على المعصية ؟ قلنا : إن المعصية تزداد بقدر النعمة . فلما كانت نعم الله على العباد خارجة عن الحصر والحد لا جرم كانت معصيتهم عظيمة جداً . الوجه الثاني : روي عن ابن عباس أنه فسر هذه الأيام بالأربعين ، وهو عدد الأيام التي عبدوا العجل فيها ، والكلام عليه أيضاً كالكلام على السبعة . الوجه الثالث : قيل في معنى " معدودة " قليلة ، كقوله تعالى : * ( وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ) * ( يوسف : 20 ) والله أعلم . المسألة الثانية ؛ ذهبت الحنفية إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة ، واحتجوا عليه بقوله صلى الله عليه وسلم : " دعي الصلاة أيام أقرائك " ، فمدة الحيض ما يسمى أياماً وأقل عدد يسمى أياماً ثلاثة وأكثره عشرة على ما بيناه ، فوجب أن يكون أقل الحيض ثلاثة وأكثره عشرة ، والإشكال عليه ما تقدم . المسألة الثالثة : ذكر ههنا : * ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ) * وفي آل عمران : * ( إلا أياماً معدودات ) * ( آل عمران : 24 ) ولقائل أن يقول : لم كانت الأولى معدودة والثانية معدودات والموصوف في المكانين موصوف واحد وهو " أياماً " ؟ والجواب : أن الاسم إن كان مذكراً فالأصل في صفة جمعه التاء . يقال : كوز وكيزان مكسورة وثياب مقطوعة وإن كان مؤنثاً كان الأصل في صفة جمعه الألف والتاء ، يقال : جرة وجرار مكسورات وخابية وخوابي مكسورات . إلا أنه قد يوجد الجمع بالألف والتاء فيما واحده مذكر في بعض الصور نادراً نحو حمام وحمامات وجمل سبطر وسبطرات وعلى هذا ورد قوله تعالى : * ( في أيام معدودات ) * و * ( في أيام معلومات ) * فالله تعالى تكلم في سورة البقرة بما هو الأصل وهو قوله : * ( أياماً معدودة ) * وفي آل عمران بما هو الفرع . أما قوله تعالى : * ( قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : العهد في هذا الموضع يجري مجرى الوعد والخبر ، وإنما سمي خبره سبحانه عهداً لأن خبره سبحانه أوكد من العهود المؤكدة منا بالقسم والنذر ، فالعهد من الله لا يكون إلا بهذا الوجه . المسألة الثانية : قال صاحب " الكشاف " : " فلن يخلف الله " متعلق بمحذوف وتقديره إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده . المسألة الثالثة : قوله تعالى : * ( أتخذتم ) * ليس باستفهام ، بل هو إنكار لأنه لا يجوز أن يجعل تعالى حجة رسوله في إبطال قولهم أن يستفهمهم ، بل المراد التنبيه على طريقة الاستدلال وهي أنه لا سبيل