فخر الدين الرازي
143
تفسير الرازي
إلى معرفة هذا التقدير إلا بالسمع ، فلما لم يوجد الدليل السمعي وجب ألا يجوز الجزم بهذا التقدير . المسألة الرابعة : قوله تعالى : * ( فلن يخلف الله عهده ) * يدل على أنه سبحانه وتعالى منزه عن الكذب وعده ووعيده . قال أصحابنا : لأن الكذب صفة نقص ، والنقص على الله محال ، وقالت المعتزلة : لأنه سبحانه عالم بقبح القبيح وعالم بكونه غنياً عنه ، والكذب قبيح لأنه كذب والعالم بقبح القبيح وبكونه غنياً عنه يستحيل أن يفعله ، فدل على أن الكذب منه محال ، فلهذا قال : * ( فلن يخلف الله عهده ) * ، فإن قيل : العهد هو الوعد وتخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي ما عداه ، فلما خص الوعد بأنه لا يخلفه علمنا أن الخلف في الوعيد جائز ، ثم العقل يطابق ذلك ، لأن الخلف في الوعد لؤم وفي الوعيد كرم . قلنا : الدلالة المذكورة قائمة في جميع أنواع الكذب . المسألة الخامسة : قال الجبائي : دلت الآية على أنه تعالى لم يكن وعد موسى ولا سائر الأنبياء بعده على أنه تعالى يخرج أهل المعاصي والكبائر من النار بعد التكذيب ، لأنه لو وعدهم بذلك لما جاز أن ينكر على اليهود هذا القول ، وإذا ثبت أنه تعالى ما دلهم على ذلك وثبت أنه تعالى دلهم على وعيد العصاة إذا كان بذلك زجرهم عن الذنوب ، فقد وجب أن يكون عذابهم دائماً على ما هو قول الوعيدية ، وإذا ثبت ذلك في سائر الأمم وجب ثبوته في هذه الأمة ، لأن حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم ، إذ كان قدر المعصية من الجميع لا يختلف ، واعلم أن هذا الوجه في نهاية التعسف فنقول : لا نسلم أنه تعالى ما وعد موسى أنه يخرج أهل الكبائر من النار ، قوله : لو وعدهم بذلك لما أنكر على اليهود قولهم ، قلنا : لم قلت إنه تعالى لو وعدهم ذلك لما أنكر على اليهود ذلك ، وما الدليل على هذه الملازمة ؟ ثم إنا نبين شرعاً أن ذلك غير لازم من وجوه . أحدها : لعل الله تعالى إنما أنكر عليهم لأنهم قللوا أيام العذاب ، فإن قولهم : * ( لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ) * ، يدل على أيام قليلة جداً ، فالله تعالى أنكر عليهم جزمهم بهذه القلة لا أنه تعالى أنكر عليهم انقطاع العذاب . وثانيها : أن المرجئة يقطعون في الجملة بالعفو ، فأما في حق الشخص المعين فلا سبيل إلى القطع ، فلما حكموا في حق أنفسهم بالتخفيف على سبيل الجزم لا جرم أنكر الله عليهم ذلك . وثالثها : أنهم كانوا كافرين وعندنا عذاب الكافر دائم لا ينقطع ، سلمنا أنه تعالى ما وعد موسى عليه السلام أنه يخرج أهل الكبائر من النار ، فلم قلت أنه لا يخرجهم من النار ؟ بيانه أنه فرق بين أن يقال إنه تعالى ما وعده إخراجهم من النار وبين أن يقال : إنه أخبره أنه لا يخرجهم من النار والأول لا مضرة فيه ، فإنه تعالى ربما لم يقل ذلك لموسى إلا أنه سيفعله يوم القيامة ، وإنما رد على اليهود وذلك لأنهم جزموا به من غير دليل ، فكان يلزمهم أن يتوقفوا فيه وأن لا يقطعوا لا بالنفي ولا بالإثبات ، سلمنا أنه تعالى لا يخرج عصاة قوم موسى من النار ، فلم قلت : إنه لا يخرج عصاة هذه الأمة من النار ، وأما قول الجبائي : لأن حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم . فهو تحكم محض ، فإن العقاب حق الله تعالى ، فله أن يتفضل على البعض بالإسقاط وأن لا يتفضل بذلك على الباقين ، فثبت أن هذا الاستدلال