فخر الدين الرازي
260
تفسير الرازي
لقوله تعالى : * ( وفي الرقاب ) * ( البقرة : 117 ) والرقبة مجزئة لقوله تعالى : * ( فتحرير رقبة ) * ، حجة الشافعي أن المقتضى لبقاء التكاليف بإعتاق الرقبة قائم ، بعد إعتاق المكاتب ، وما لأجله ترك العمل به في محل الرقاب غير موجود ههنا ، فوجب أن يبقى على الأصل ، بيان المقتضي أن الأصل في الثابت البقاء على ما كان ، بيان الفارق أن المكاتب كالزائل عن ملك المولى وإن لم يزل عن ملكه ، لكنه يمكن نقصان في رقه ، بدليل أنه صار أحق بمكاسبه ، ويمتنع على المولى التصرفات فيه ، ولو أتلفه المولى يضمن قيمته ، ولو وطئ مكاتبته يغرم المهر ، ومن المعلوم أن إزالة الملك الخالص عن شوائب الضعف أشق على المالك من إزالة الملك الضعيف ، ولا يلزم من خروج الرجل عن العهدة بإعتاق العبد القن خروجه عن العهدة بإعتاق المكاتب ، والوجه الثاني : أجمعنا على أنه لو أعتقه الوارث بعد موته لا يجزئ عن الكفارة ، فكذا إذا أعتقه المورث والجامع كون الملك ضعيفاً . المسألة الثامنة : لو اشترى قريبه الذي يعتق عليه بنية الكفارة عتق عليه ، لكنه لا يقع عن الكفارة عند الشافعي ، وعند أبي حنيفة يقع ، حجة أبي حنيفة التمسك بظاهر الآية ، وحجة الشافعي ما تقدم . المسألة التاسعة : قال أبو حنيفة : الإطعام في الكفارات يتأدى بالتمكين من الطعام ، وعند الشافعي لا يتأدى إلا بالتمليك من الفقير ، حجة أبي حنيفة ظاهر القرآن وهو أن الواجب هو الإطعام ، وحقيقة الإطعام هو التمكين ، بدليل قول تعالى : * ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) * ( المائدة : 89 ) وذلك يتأدى بالتمكين والتمليك ، فكذا ههنا ، وحجة الشافعي القياس عن الزكاة وصدقة الفطر . المسألة العاشرة : قال الشافعي : لكل مسكين مد من طعام بلده الذي يقتات منه حنطة أو شعيراً أو أرزاً أو تمراً أو أقطاً ، وذلك بمد النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعتبر مد حدث بعده ، وقال أبو حنيفة : يعطى كل مسكين نصف صاع من بر أو دقيق أو سويق أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير ولا يجزئه دون ذلك ، حجة الشافعي أن ظاهر الآية يقتضي الإطعام ، ومراتب الإطعام مختلفة بالكمية والكيفية ، فليس حمل اللفظ على البعض أولى من حمله على الباقي ، فلا بد من حمله على أقل مالا بد منه ظاهراً ، وذلك هو المد ، حجة أبي حنيفة ما روي في حديث أوس بن الصامت : " لكل مسكين نصف صاع من بر " وعن علي وعائشة قالا : لكل مسكين مدان من بر ، ولأن المعتبر حاجة اليوم لكل مسكين ، فيكون نظير صدقة الفطر ، ولا يتأدى ذلك بالمد ، بل بما قلنا ، فكذلك هنا . المسألة الحادية عشرة : لو أطعم مسكيناً واحداً ستين مرة لا يجزئ عند الشافعي ، وعند أبي حنيفة يجزئ ، حجة الشافعي ظاهر الآية ، وهو أنه أوجب إطعام ستين مسكيناً ، فوجب رعاية ظاهر الآية ، وحجة أبي حنيفة أن المقصود دفع الحاجة وهو حاصل ، وللشافعي أن يقول : التحكمات غالبة على هذه التقديرات ، فوجب الامتناع فيها من القياس ، وأيضاً فلعل إدخال السرور