فخر الدين الرازي
261
تفسير الرازي
في قلب ستين إنساناً ، أقرب إلى رضا الله تعالى من إدخال السرور في قلب الإنسان الواحد . المسألة الثانية عشرة : قال أصحاب الشافعي : إنه تعالى قال في الرقبة : * ( فمن لم يجد فصيام شهرين ) * وقال في الصوم : * ( فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ) * فذكر في الأول : * ( فمن لم يجد ) * وفي الثاني : * ( فمن لم يستطع ) * فقالوا : من ماله غائب لم ينتقل إلى الصوم بسبب عجزه عن الإعتاق في الحال أما من كان مريضاً في الحال ، فإنه ينتقل إلى الإطعام وإن كان مرضه بحيث يرجى زواله ، قالوا : والفرق أنه قال في الانتقال إلى الإطعام : * ( فمن لم يستطع ) * وهو بسبب المرض الناجز ، والعجز العاجل غير مستطيع ، وقال في الرقبة : * ( فمن لم يجد ) * والمراد فمن لم يجد رقبة أو مالاً يشتري به رقبة ، ومن ماله غائب لا يسمى فاقداً للمال ، وأيضاً يمكن أن يقال في الفرق إحضار المال يتعلق باختياره وأما إزالة المرض فليس باختياره . المسألة الثالثة عشرة : قال بعض أصحابنا : الشبق المفرط والغلمة الهائجة ، عذر في الانتقال إلى الإطعام ، والدليل عليه أنه عليه السلام لما أمر الأعرابي بالصوم قال له : وهل أتيت إلا من قبل الصوم فقال عليه السلام أطعم " دل الحديث على أن الشبق الشديد عذر في الانتقال من الصوم إلى الإطعام ، وأيضاً الاستطاعة فوق الوسع ، والوسع فوق الطاقة ، فالاستطاعة هو أن يتمكن الإنسان من الفعل على سبيل السهولة ، ومعلوم أن هذا المعنى لا يتم مع شدة الشبق ، فهذه جملة مختصرة مما يتعلق بفقه القرآن في هذه الآية ، والله أعلم . قوله تعالى : * ( ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير ) * قال الزجاج : * ( ذلكم ) * للتغليظ في الكفارة * ( توعظون به ) * أي أن غلظ الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار ولا تعاودوه ، وقال غيره * ( ذلكم توعظون به ) * أي تؤمرون به من الكفارة * ( والله بما تعملون خبير ) * من التكفير وتركه . قوله تعالى * ( فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) * . ثم ذكر تعالى حكم العاجز عن الرقبة فقال : * ( فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ) * فدلت الآية على أن التتابع شرط ، وذكر في تحرير الرقبة والصوم أنه لا بد وأن يوجدا من قبل أن يتماسا ، ثم ذكر تعالى أن من لم يستطع ذلك فإطعام ستين مسكيناً ، ولم يذكر أنه لا بد من وقوعه قبل المماسة ، إلا أنه كالأولين بدلالة الإجماع ، والمسائل الفقهية المفرعة على هذه الآية كثيرة مذكورة في كتاب الفقه .