فخر الدين الرازي
259
تفسير الرازي
ثانية ، واحتج مالك بأن قوله : * ( والذين يظاهرون ) * يتناول من ظاهر مرة واحدة ، ومن ظاهر مراراً كثيرة ، ثم إنه تعالى أوجب عليه تحرير رقبة ، فعلمنا أن التكفير الواحد كاف في الظهار ، سواء كان مرة واحدة أو مراراً كثيرة والجواب : أنه تعالى قال : * ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين ) * ( المائدة : 89 ) فهذا يقتضي أن لا يجب في الإيمان الكثيرة إلا كفارة واحدة ، ولما كان باطلاً ، فكذا ما قلتموه . المسألة الثالثة : رجل تحته أربعة نسوة فظاهر منهن بكلمة واحدة وقال : أنتن علي كظهر أمي ، للشافعي قولان : أظهرهما أنه يلزمه أربع كفارات ، نظراً إلى عدد اللواتي ظاهر منهن ، ودليله ما ذكرنا ، أنه ظاهر عن هذه ، فلزمه كفارة بسبب هذا الظهار ، وظاهر أيضاً عن تلك ، فالظهار الثاني لا بد وأن يوجب كفارة أخرى . المسألة الرابعة : الآية تدل على إيجاب الكفارة قبل المماسة ، فإن جامع قبل أن يكفر لم يجب عليه إلا كفارة واحدة ، وهو قول أكثر أهل العلم ، كمالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان وأحمد وإسحق رحمهم الله ، وقال بعضهم : إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان ، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي دليلنا أن الآية دلت على أنه يجب على المظاهر كفارة قبل العود ، فههنا فاتت صفة القبلية ، فيبقى أصل وجوب الكفارة ، وليس في الآية دلالة على أن ترك التقديم يوجب كفارة أخرى . المسألة الخامسة : الأظهر أنه لا ينبغي للمرأة أن تدعه يقربها حتى يكفر ، فإن تهاون بالتكفير حال الإمام بينه وبينها ويجبره على التكفير ، وإن كان بالضرب حتى يوفيها حقها من الجماع ، قال الفقهاء : ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها ، لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة وامتناع من إيفاء حقها . المسألة السادسة : قال أبو حنيفة رحمه الله هذه الرقبة تجزئ سواء كانت مؤمنة أو كافرة ، لقوله تعالى : * ( فتحرير رقبة ) * فهذا اللفظ يفيد العموم في جميع الرقاب ، وقال الشافعي : لا بد وأن تكون مؤمنة ودليله وجهان الأول : أن المشرك نجس ، لقوله تعالى : * ( إنما المشركون نجس ) * ( التوبة : 28 ) وكل نجس خبيث بإجماع الأمة وقال تعالى : * ( ولا تيمموا الخبيث ) * ( البقرة : 267 ) الثاني : أجمعنا على أن الرقبة في كفارة القتل مقيدة بالإيمان ، فكذا ههنا ، والجامع أن الإعتاق إنعام ، فتقييده بالإيمان يقتضي صرف هذا الإنعام إلى أولياء الله وحرمان أعداء الله ، وعدم التقييد بالإيمان قد يفضي إلى حرمان أولياء الله ، فوجب أن يتقيد بالإيمان تحصيلاً لهذه المصلحة . المسألة السابعة : إعتاق المكاتب لا يجزئ عند الشافعي رحمه الله ، وقال أبو حنيفة رحمه الله إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئاً جاز عن الكفارة ، وإذا أعتقه بعد أن يؤدي شيئاً ، فظاهر الرواية أنه لا يجزئ ، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجزئ ، حجة أبي حنيفة أن المكاتب رقبة