فخر الدين الرازي
248
تفسير الرازي
بالأجر العظيم على ذلك الإيمان أتبعه بهذه الآية ، والغرض منها أن يزيل عن قلبهم اعتقادهم بأن النبوة مختصة بهم وغير حاصلة إلا في قومهم ، فقال : إنما بالغنا في هذا البيان ، وأطنبنا في الوعد والوعيد ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين ، ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوة في قوم مخصوصين ، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ولا اعتراض عليه في ذلك أصلاً أما القول الثاني : وهو أن لفظة ( لا ) غير زائدة ، فاعلم أن الضمير في قوله : * ( ألا يقدرون ) * عائد إلى الرسول وأصحابه ، والتقدير : لئلا يعلم أهل الكتاب أن النبي والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله ، وأنهم إذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون عليه فقد علموا أنهم يقدرون عليه ، ثم قال : * ( وأن الفضل بيد الله ) * أي وليعلموا أن الفضل بيد الله ، فيصير التقدير : إنا فعلنا كذا وكذا لئلا يعتقد أهل الكتاب أنهم يقدرون على حصر فضل الله وإحسانه في أقوام معينين ، وليعتقدوا أن الفضل بيد الله ، واعلم أن هذا القول ليس فيه إلا أنا أضمرنا فيه زيادة ، فقلنا في قوله : * ( وأن الفضل بيد الله ) * تقدير وليعتقدوا أن الفضل بيد الله وأما القول الأول : فقد افتقرنا فيه إلى حذف شيء موجد ، ومن المعلوم أن الإضمار أولى من الحذف ، لأن الكلام إذا افتقر إلى الإضمار لم يوهم ظاهره باطلاً أصلاً ، أما إذا افتقر إلى الحذف كان ظاهره موهماً للباطل ، فعلمنا أن هذا القول أولى والله أعلم . المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف قرىء : ( لكي يعلم ) ، و ( لكيلا يعلم ) ، و ( ليعلم ) ، و ( لأن يعلم ) ، بإدغام النون في الياء ، وحكى ابن جني في " المحتسب " عن قطرب : أنه روي عن الحسن : ( ليلا ) ، بكسر اللام وسكون الياء ، وحكى ابن مجاهد عنه ليلاً بفتح اللام وجزم الياء من غير همز ، قال ابن جني : وما ذكر قطرب أقرب ، وذلك لأن الهمزة إذا حذفت بقي لنلا فيجب إدغام النون في اللام فيصير للا فتجتمع اللامات فتجعل الوسطى لسكونها وانكسار ما قبلها ياء فيصير ليلاً ، وأما رواية ابن مجاهد عنه ، فالوجه فيه أن لام الجر إذا أضفته إلى المضمر فتحته تقول له : فمنهم من قاس المظهر عليه ، حكى أبو عبيدة أن بعضهم قرأ : * ( وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) * ( إبراهيم : 46 ) . وأما قوله تعالى : * ( وأن الفضل بيد الله ) * أي في ملكه وتصرفه واليد مثل * ( يؤتيه من يشاء ) * لأنه قادر مختار يفعل بحسب الاختيار * ( والله ذو الفضل العظيم ) * والعظيم لا بد وأن يكون إحسانه عظيماً ، والمراد تعظيم حال محمد صلى الله عليه وسلم في نبوته وشرعه وكتابه ، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .