فخر الدين الرازي

247

تفسير الرازي

* ( لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) * . اعلم أنه لما قال في الآية الأولى : * ( فآتينا الذين آمنوا منهم ) * أي من قوم عيسى : * ( أجرهم ) * ( الحديد : 27 ) قال في هذه الآية : * ( يا أيها الذين آمنوا ) * والمراد به أولئك فأمرهم أن يتقوا الله ويؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام ثم قال : * ( يؤتكم كفلين ) * أي نصيبين من رحمته لإيمانكم أولاً بعيسى ، وثانياً بمحمد عليه الصلاة والسلام ، ونظيره قوله تعالى : * ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين ) * ( القصص : 54 ) عن ابن عباس أنه نزل في قوم جاءوا من اليمن من أهل الكتاب إلى الرسول وأسلموا فجعل الله لهم أجرين ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : ما الكفل في اللغة ؟ الجواب : قال المؤرج : الكفل النصيب بلغة هذيل وقال غيره بل هذه لغة الحبشة ، وقال المفضل بن مسلمة : الكفل كساء يديره الراكب حول السنام حتى يتمكن من القعود على البعير . السؤال الثاني : أنه تعالى لما آتاهم كفلين وأعطى المؤمنين كفلاً واحداً كان حالهم أعظم والجواب : روى أن أهل الكتاب افتخروا بهذا السبب على المسلمين ، وهو ضعيف لأنه لا يبعد أن يكون النصيب الواحد أزيد قدراً من النصيبين ، فإن المال إذا قسم بنصفين كان الكفل الواحد نصفاً ، وإذا قسم بمائة قسم كان الكفل الواحد جزء من مائة جزء ، فالنصيب الواحد من القسمة الأولى أزيد من عشرين نصيباً من القسمة الثانية ، فكذا ههنا ، ثم قال تعالى : * ( ويجعل لكم ) * أي يوم القيامة * ( نوراً تمشون به ) * وهو النور المذكور في قوله * ( يسعى نورهم ) * ( الحديد : 12 ) * ( ويغفر لكم ) * ما أسلفتم من المعاصي * ( والله غفور رحيم ) * . قوله تعالى * ( لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) * . فيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الواحدي هذه آية مشكلة وليس للمفسرين فيها كلام واضح في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها . واعلم أن أكثر المفسرين على أن ( لا ) ههنا صلة زائدة ، والتقدير : ليعلم أهل الكتاب ، وقال أبو مسلم الأصفهاني وجمع آخرون : هذه الكلمة ليست بزائدة ، ونحن نفسر الآية على القولين بعون الله تعالى وتوفيقه . أما القول المشهور : وهو أن هذه اللفظة زائدة ، فاعلم أنه لا بد ههنا من تقديم مقدمة وهي : أن أهل الكتاب وهم بنو إسرائيل كانوا يقولون : الوحي والرسالة فينا ، والكتاب والشرع ليس إلا لنا ، والله تعالى خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع العالمين ، إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لما أمر أهل الكتاب بالإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام وعدهم