فخر الدين الرازي
233
تفسير الرازي
الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر ، ولا شك أن هذه الأشياء أمور محقرة ، وأما الآخرة فهي عذاب شديد دائم أو رضوان الله على سبيل الدوام ، ولا شك أن ذلك عظيم . المسألة الثانية : اعلم أن الحياة الدنيا حكمة وصواب ، ولذلك لما قال تعالى : * ( إني جاعل في الأرض خليفة . . . قال إني علم مالا تعلمون ) * ( البقرة : 30 ) ولولا أنها حكمة وصواب لما قال ذلك ، ولأن الحياة خلقه ، كما قال : * ( الذي خلق الموت والحياة ) * ( الملك : 2 ) وأنه لا يفعل العبث على ما قال : * ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ) * ( المؤمنين : 115 ) وقال : * ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ) * ولأن الحياة نعمة بل هي أصل لجميع النعم ، وحقائق الأشياء لا تختلف بأن كانت في الدنيا أو في الآخرة ، ولأنه تعالى عظم المنة بخلق الحياة فقال : * ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ) * ( البقرة : 28 ) فأول ما ذكر من أصناف نعمه هو الحياة ، فدل مجموع ما ذكرنا على أن الحياة الدنيا غير مذمومة ، بل المراد أن من صرف هذه الحياة الدنيا لا إلى طاعة الله بل إلى طاعة الله بل إلى طاعة الشيطان ومتابعة الهوى ، فذاك هو المذموم ، ثم إنه تعالى وصفها بأمور : أولها : أنها * ( لعب ) * وهو فعل الصبيان الذين يتعبون أنفسهم جداً ، ثم إن تلك المتاعب تنقضي من غير فائدة وثانيها : أنها * ( لهو ) * وهو فعل الشبان ، والغالب أن بعد انقضائه لا يبقى إلا الحسرة ، وذلك لأن العاقل بعد انقضائه يرى المال ذاهباً والعمر ذاهباً ، واللذة منقضية ، والنفس ازدادت شوقاً وتعطشاً إليه مع فقدانها ، فتكون المضار مجتمعة متوالية وثالثها : أنها * ( زينة ) * وهذا دأب النساء لأن المطلوب من الزينة تحسين القبيح ، وعمارة البناء المشرف على أن يصير خراباً ، والاجتهاد في تكميل الناقص ، ومن المعلوم أن العرضي لا يقاوم الذاتي ، فإذا كانت الدنيا منقضية لذاتها ، فاسدة لذاتها ، فكيف يتمكن العاقل من إزالة هذه المفاسد عنها ، قال ابن عباس : المعنى أن الكافر يشتغل طول حياته بطلب زينة الدنيا دون العمل للآخرة ، وهذا كما قيل : حياتك يا مغرور سهو وغفلة ( c ) * ورابعها : * ( تفاخر بينكم ) * بالصفات الفانية الزائلة ، وهو إما التفاخر بالنسب ، أو التفاخر بالقدرة والقوة والعساكر وكلها ذاهبة وخامسها : قوله : * ( وتكاثر في الأموال والأولاد ) * قال ابن عباس : يجمع المال في سخط الله ، ويتباهى به على أولياء الله ، ويصرفه في مساخط الله ، فهو ظلمات بعضها فوق بعض ، وأنه لا وجه بتبعية أصحاب الدنيا يخرج عن هذه الأقسام ، وبين أن حال الدنيا إذا لم يخل من هذه الوجوه فيجب أن يعدل عنها إلى ما يؤدي إلى عمارة الآخرة ، ثم ذكر تعالى لهذه الحياة مثلاً ، فقال : * ( كمثل غيث ) * يعني المطر ، ونظيره قوله تعالى : * ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء ) * ( الكهف : 45 ) والكاف في قوله : * ( كمثل غيث ) * موضعة رفع من وجهين أحدهما : أن يكون صفة لقوله : * ( لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر ) * ، والآخر : أن يكون خبراً بعد خبر قاله الزجاج ، وقوله : * ( أعجب الكفار نباته ) * فيه قولان : الأول : قال ابن مسعود : المراد من الكفار الزراع قال الأزهري : والعرب تقول للزارع : كافر ، لأنه يكفر البذر الذي يبذره بتراب الأرض ، وإذا