فخر الدين الرازي
234
تفسير الرازي
أعجب الزراع نباته مع علمهم به فهو في غاية الحسن الثاني : أن المراد بالكفار في هذه الآية الكفار بالله وهم أشد إعجاباً بزينة الدنيا وحرثها من المؤمنين ، لأنهم لا يرون سعادة سوى سعادة الدنيا ، وقوله : * ( نباته ) * أي ما نبت من ذلك الغيث ، وباقي الآية مفسر في سورة الزمر . ثم إنه تعالى ذكر بعده حال الآخرة فقال : * ( وفي الآخرة عذاب شديد ) * أي لمن كانت حياته بهذه الصفة ، ومغفرة من الله ورضوان لأوليائه وأهل طاعته ، وذلك لأنه لما وصف الدنيا بالحقارة وسرعة الانقضاء ، بين أن الآخرة إما عذاب شديد دائم ، وإما رضوان ، وهو أعظم درجات الثواب ، ثم قال : * ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) * يعني لمن أقبل عليها ، وأعرض بها عن طلب الآخرة ، قال سعيد بن جبير : الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة ، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله وطلب الآخرة فنعم الوسيلة . * ( سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ وَالاَْرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ باِللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) * . ثم قال تعالى : * ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ) * والمراد كأنه تعالى قال : لتكن مفاخرتكم ومكاثرتكم في غير ما أنتم عليه ، بل احرصوا على أن تكون مسابقتكم في طلب الآخرة . واعلم أنه تعالى أمر بالمسارعة في قوله : * ( سارعوا إلى مغفرة من ربكم ) * ثم شرح ههنا كيفية تلك المسارعة ، فقال : * ( سارعوا ) * مسارعة المسابقين لأقرانهم في المضمار ، وقوله : * ( إلى مغفرة ) * فيه مسألتان : المسألة الأولى : لا شك أن المراد منه المسارعة إلى ما يوجب المغفرة ، فقال قوم المراد سابقوا إلى التوبة ، وقال آخرون : المراد سابقوا إلى سائر ما كلفتم به فدخل فيه التوبة ، وهذا أصح لأن المغفرة والجنة لا ينالان إلا بالانتهاء عن جميع المعاصي والاشتغال بكل الطاعات . المسألة الثانية : احتج القائلون بأن الأمر يفيد الفور بهذه الآية ، فقالوا : هذه الآية دلت على وجوب المسارعة ، فوجب أن يكون التراخي محظوراً ، أما قوله تعالى : * ( وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ) * وقال : في آل عمران * ( وجنة عرضها السماوات والأرض ) * ( آل عمران : 133 ) ، فذكروا فيه وجوهاً أحدها : أن السماوات السبع والأرضين السبع لو جعلت صفائح وألزق بعضها ببعض لكانت الجنة في عرضها ، هذا قول مقاتل وثانيها : قال : عطاء ( عن ) ابن عباس يريد أن لكل واحد من المطيعين جنة بهذه الصفة ، وثالثها : قال السدي : إن الله تعالى شبه عرض الجنة بعرض السماوات السبع والأرضين السبع ، ولا شك أن طولها أزيد من عرضها ، فذكر العرض تنبيهاً على أن طولها أضعاف ذلك ، ورابعها : أن هذا تمثيل للعبادة بما يعقلونه ويقع في نفوسهم وأفكارهم ، وأكثر ما يقع في نفوسهم مقدار السماوات والأرض وهذا قول الزجاج ، وخامسها :