فخر الدين الرازي
198
تفسير الرازي
فالتكذيب مصدر قصد به ما كانوا يحصلون به مقاصدهم ، وأما قوله : * ( تكذبون ) * فعلى الأول المراد تكذيبهم بما قال الله تعالى : * ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) * وغير ذلك ، وعلى الثاني المراد جميع ما صدر منهم من التكذيب ، وهو أقرب إلى اللفظ . ثم قال تعالى : * ( فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : المراد من كلمة : * ( لولا ) * معنى هلا من كلمات التحضيض وهي أربع كلمات : لولا ، ولوما ، وهلا ، وألا ويمكن أن يقال : أصل الكلمات لم لا ، على السؤال كما يقول القائل : إن كنت صادقاً فلم لا يظهر صدقك ، ثم إنما قلنا : الأصل لم لا لكونه استفهاماً أشبه قولنا : هلا ، ثم إن الاستفهام تارة يكون عن وجود شيء وأخرى عن سبب وجوده ، فيقال : هل جاء زيد ولم جاء ، والاستفهام بهل قبل الاستفهام بلم ، ثم إن الاستفهام قد يستعمل للإنكار وهو كثير ، ومنه قوله تعالى ههنا : * ( أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ) * ( الواقعة : 81 ) وقوله : * ( أتدعون بعلا وتذرون ) * ( الصافات : 125 ) وقوله تعالى : * ( أإفكاً آلهة دون الله تريدون ) * ( الصافات : 86 ) ونظائرها كثيرة ، وقد ذكرنا لك الحكمة فيه ، وهي أن النافي والناهي لا يأمر أن يكذب المخاطب فعرض بالنفي لئلا يحتاج إلى بيان النفي ، إذا ثبت هذا فالاستفهام " بهل " لإنكار الفعل ، والاستفهام " بلم " لإنكار سببه ، وبيان ذلك أن من قال : لم فعلت كذا ، يشير إلى أنه لا سبب للفعل ، ويقول : كان الفعل وقع من غير سبب الوقوع ، وهو غير جائز ، وإذا قال : هل فعلت ، ينكر نفس الفعل لا الفعل من غير سبب ، وكأنه في الأول يقول : لو وجد للفعل سبب لكان فعله أليق ، وفي الثاني يقول : الفعل غير لائق ولو وجد له سبب . المسألة الثانية : إن كل واحد منهما يقع في صدر الكلام ، ويستدعي كلاماً مركباً من كلامين في الأصل ، أما في " هل " فلأن أصلها أنك تستعملها في جملتين ، فتقول : هل جاء زيد أو ما جاء ، لكنك ربما تحذف أحديهما ، وأما في ( لو ) فإنك تقول : لو كان كذا لكان كذا ، وربما تحذف الجزاء كما ذكرنا في قوله تعالى : * ( لو تعلمون ) * ( الواقعة : 76 ) لأنه يشير ب " لو " إلى أن المنفي له دليل ، فإذا قال القائل : لو كنتم تعلمون ، وقيل له لم لا يعلمون ، قال : إنهم لو يعلمون لفعلوا كذا ، فدليله مستحضر إن طولب به بينه وإذا ثبت أن النفي ب " لو " ، والنفي بهل ، أبلغ من النفي بلا ، والنفي بقوله : لم ، وإن كان بينهما اشتراك معنى ولفظاً وحكماً وصارت كلمات التحضيض وهي : لوما ، ولولا ، وهلا وألا ، كما تقول : لم لا فإذن قول القائل : هل تفعل وأنت عنه مستغن ، كقوله : لم تفعل وهو قبي ، وقوله : وهلا تفعل وأنت إليه محتاج ، وألا تفعل