فخر الدين الرازي

199

تفسير الرازي

وأنت إليه محتاج ، وقوله : لولا ، ولوما ، كقوله : لم لا تفعل ، ولم لا فعلت ، فقد وجد في ألا زيادة نص ، لأن نقل اللفظ لا يخلو من نص ، كما أن المعنى صار فيه زيادة ما ، على ما في الأصل كما بيناه ، وقوله تعالى : * ( فلولا إذا بلغت الحلقوم ) * أي لم لا يقولون عند الموت وهو وقت ظهور الأمور وزمان اتفاق الكلمات ، ولو كان ما يقولونه حقاً ظاهراً كما يزعمون لكان الواجب أن يشركوا عند النزع ، وهذا إشارة إلى أن كل أحد يؤمن عند الموت لكن لم يقبل إيمان من لم يؤمن قبله ، فإن قيل : ما سمع منهم الاعتراف وقت النزع بل يقولون : نحن نكذب الرسل أيضاً وقت بلوغ النفس إلى الحلقوم ونموت عليه ؟ فنقول : هذه الآية بعينها إشارة وبشارة ، أما الإشارة فإلى الكفار ، وأما البشارة فللرسل ، أما الإشارة وهي أن الله تعالى ذكر للكفار حالة لا يمكنهم إنكارها وهي حالة الموت فإنهم وإن كفروا بالحشر وهو الحياة بعد الموت لكنهم لم ينكروا الموت ، وهو أظهر من كل ما هو من مثله فلا يشكون في حالة النزع ، ولا يشكون في أن في ذلك الوقت لا يبقى لهم لسان ينطق ، ولا إنكار بعمل فتفوتهم قوة الاكتساب لإيمانهم ولا يمكنهم الإتيان بما يجب فيكون ذلك حثاً لهم على تجديد النظر النظر في طلب الحق قبل تلك الحالة ، وأما البشارة فلأن الرسل لما كذبوا وكذب مرسلهم صعب عليهم ، فبشروا بأن المكذبين سيرجعون عما يقولون ، ثم هو إن كان قبل النزع فذلك مقبول وإلا فعند الموت وهو غير نافع ، والضمير في * ( بلغت ) * للنفس أو للحياة أو الروح ، وقوله : * ( وأنتم حينئذ تنظرون ) * تأكيد لبيان الحق أي في ذلك الوقت تصير الأمور مرئية مشاهدة ينظر إليها كل من بلغ إلى تلك الحالة ، فإن كان ما ذكرتم حقاً كان ينبغي أن يكون في ذلك الوقت ، وقد ذكرنا التحقيق في * ( حينئذ ) * في قوله : * ( يومئذ ) * ( الطور : 11 ) في سورة والطور واللفظ والمعنى متطابقان على ما ذكرنا لأنهم كانوا يكذبون بالرسل والحشر ، وصرح به الله في هذه السورة عنهم حيث قال : إنهم * ( وكانوا يصرون على الحنث العظيم * وكانوا يقولون أئذا متنا ) * ( الواقعة : 46 ، 47 ) وهذا كالتصريح بالتكذيب لأنهم ما كانوا ينكرون أن الله تعالى منزل لكنهم كانوا يجعلون أيضاً الكواكب من المنزلين ، وأما المضمر فذكره الله تعالى عند قوله : * ( أفرأيتم الماء الذي تشربون ) * ( الواقعة : 68 ) ثم قال : * ( أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ) * ( الواقعة : 69 ) بالواسطة وبالتفويض على ما هو مذهب المشركين أو مذهب الفلاسفة . وأيضاً التفسير المشهور محتاج إلى إضمار تقديره أتجعلون شكر رزقكم ، وأما جعل الرزق بمعنى المعاش فأقرب ، يقال : فلان رزقه في لسانه ، ورزق فلان في رجله ويده ، وأيضاً فقوله تعالى : * ( فلولا إذا بلغت الحلقوم ) * متصل بما قبله لما بينا أن المراد أنكم تكذبون الرسل فلم لا تكذبونهم وقت النزع لقوله تعالى : * ( ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله ) * ( العنكبوت : 63 ) فعلم أنهم كذبوا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " كذب المنجمون ورب الكعبة " ولم يكذبوا وهذا على قراءة من يقرأ * ( تكذبون ) * بالتخفيف ، وأما المدهن فعلى ما ذكرنا يبقى على الأصل ويوافقه : * ( ودوا لو تدهن فيدهنون ) * ( القلم : 9 ) فإن المراد هناك ليس تكذب فيكذبون ، لأنهم أرادوا النفاق لا التكذيب الظاهر .