فخر الدين الرازي

183

تفسير الرازي

قوله : * ( لو نشاء ) * فقد أخرجت عن حيزها لفظاً ، لأن لو للماضي فإذا خرج الشرط عن حيزه جاز في الجزاء الإخراج عن حيزه لفظاً وإسقاط اللام عنه ، لأن إن كان حيزها المستقبل وتدخل على المستقبل ، فإذا جعل ما دخل إن عليه ماضياً كقولك : إن جئتني ، جاز في الخبر الإخراج عن حيزه وترك الجزم فنقول : أكرمك بالرفع ، وأكرمك بالجزم ، كما تقول في : * ( لو نشاء لجعلناه ) * وفي : * ( لو نشاء جعلناه ) * ( الواقعة : 70 ) وما ذكرناه من الجواب في قوله : * ( أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ) * ( يس : 47 ) إذا نظرت إليه تجده مستقيماً ، وحيث لم يقل : لو شاء الله أطعمه ، علم أن الآخر جزاء ولم يبق فيه توهم ، لأنه إما أن يكون عند المتكلم ، وذلك غير جائز لأن المتكلم عالم بحقيقة كلامه ، وإما أن يكون عندهم وذلك غير جائز ههنا ، لأن قولهم : لو شاء الله أطعمه رد على المؤمنين في زعمهم يعني أنتم تقولون : إن الله لو شاء فعل فلا نطعم من لو شاء الله أطعمه على زعمكم ، فلما كان أطعمه جزاءاً معلوماً عند السامع والمتكلم استغنى عن اللام ، والحطام كالفتات والجذاذ وهو من الحطم كما أن الفتات والجذاذ من الفت والجذ والفعال في أكثر الأمر يدل على مكروه أو منكر ، أما في المعاني : فكالسبات والفواق والزكام والدوار والصداع لأمراض وآفات في الناس والنبات . وأما في الأعيان : فكالجذاذ والحطام والفتات وكذا إذا لحقته الهاء كالبرادة والسحالة ، وفيه زيادة بيان وهو أن ضم الفاء من الكلمة يدل على ما ذكرنا في الأفعال فإنا نقول : فعل لما لم يسم فاعله وكان السبب أن أوائل الكلم لما لم يكن فيه التخفيف المطلق وهو السكون لم يثبت التثقيل المطلق وهو الضم ، فإذا ثبت فهو لعارض ، إن علم كما ذكرنا فلا كلام وإن لم يعلم كما في برد وقفل فالأمر خفي يطول ذكره والوضع يدل عليه في الثلاثي . وقوله تعالى : * ( إنا لمغرمون بل نحن محرومون ) * وفيه وجهان : أما على الوجه الأول : كأنما هو كلام مقدر عنهم كأنه يقول : وحينئذ يحق أن تقولوا : إنا لمعذبون دائمون في العذاب . وأما على الوجه الثاني : فيقولون : إنا لمعذبون ومحرمون عن إعادة الزرع مرة أخرى ، يقولون : إنا لمعذبون بالجوع بهلاك الزرع ومحرومون عن دفعه بغير الزرع لفوات الماء والوجه الثاني : في الغرم إنا لمكرهون بالغرامة من غرم الرجل وأصل الغرم والغرام لزوم المكروه . ثم قال تعالى : * ( أَفَرَءَيْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ * أَءَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ ) * . خصه بالذكر لأنه ألطف وأنظف أو تذكيراً لهم بالإنعام عليهم ، والمزن السحاب الثقيل بالماء لا بغيره من أنواع العذاب يدل على ثقله قلب اللفظ وعلى مدافعة الأمر وهو التزم في بعض اللغات